First Published: 2015-08-05

لبنان السعيد بطائفييه

 

قد يكون بقاء كرسي الرئاسة في لبنان فارغا من أهم البراهين على استفحال أزمة الدولة الفاشلة. وإذا ما عرفنا الطابع الرمزي لمنصب رئيس الجمهورية في لبنان يمكننا أن ندرك حجم ما وصل إليه التفكير السياسي الرث من استخفاف بعقول الناس وعواطفهم ومن قبلهما بمصالحهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في خضم أزمة النفايات لم يكن في إمكان اللبنانيين أن يفكروا بأزماتهم الأخرى.

المشهد كان قياميا والرائحة تذكر بالموت.

ليست هي المرة الاولى التي يشعر فيها اللبنانيون بالخذلان وبأن ما يشد خيالهم إلى ذرى الجبال من عبقرية بلادهم وعلو مقامها الحضاري لم يكن إلا جزءا من انشاء مدرسي، جُبل عليه اللسان اللبناني من غير أن يكون مرآة للواقع.

غير مرة صُدم اللبنانيون بحقائق العيش التي أظهرتهم للعالم (لأنفسهم أيضا) في صورة هي غير تلك الصورة التي طالما قدموا أنفسهم من خلالها.

لقد ابلى اللبنانيون عبر خمس عشرة سنة من الحرب الاهلية بلاء حسنا في التنويع على الوصفة الطائفية الخاصة بهم، بحيث حدثت انزياحات كثيرة في في مفهوم القتال الطائفي فصار المسيحي يقتل مسيحيا والمسلم يقتل مسلما.

ومع ذلك يدهشك اللبناني حين يحدثك عن إمكانية قيام دولة حديثة في بلده واضعا حقائق النظام الطائفي العميق على الرف في لحظة الهام.

هل في ذلك الانفصال ما يؤكد أن أزمة اللبنانيين لا تكمن في نظامهم السياسي الذي ورثوه عن الاستعمار بل في طريقتهم في النظر إلى أنفسهم، وهي طريقة لا تسمح لهم بمراجعة مفردات ذلك النظام الذي انتقل من السياسية إلى المجتمع ليتخلى عن فوقيته ولتصبح مفرداته أشبه بالمسلمات التي لا يمكن الاستغناء عنها؟

ومن المدهش أن اللبنانيين، في مختلف مستوياتهم وفي مختلف المواقع التي يقفون فيها سياسيا واجتماعيا وثقافيا يدركون أن الدولة الفاشلة التي يعيشون في ظلها أنما هي نتاج ذلك النظام الطائفي.

هم يجمعون على ذلك غير أن أحدا منهم (هناك استثناءات طبعا) لا يجرؤ أن يمضي بعيدا بشعار "الغاء الطائفية السياسية" ذلك لأنه يعرف أن أي استفتاء شعبي يجرى من أجل معرفة موقف الناس ستكون نتائجه مخيبة.

مأساة لبنان في طائفيته. هذا أمر معروف، غير أن المأساة الأكبر تكمن في تحول النهج الطائفي إلى ثقافة، يحتكم إليها اللبناني في دراسة أحواله والنظر إلى قيمته في المجتمع.

ولو عدنا إلى الاستثناءات وهي قليلة طبعا فإن شيعيا أو مسيحيا يقدم لبنانيته على انتمائه الطائفي الذي يعني خضوعه لمراكز القوى التي تتحكم في شؤونه بإعتباره جزءا من القطيع لابد أن يُحكم عليه بالنبذ ويكون حينها من غير حماية.

هي بطولة لا يقدم على ارتكابها كما لو أنها حماقة إلا قلة من المنذورين لحمل ألم الحقيقة وشقائها. أما الناس العاديون فإنهم يفضلون الستر على المغامرة في أن ينتهوا عراة. والستر هنا له معان غير قانونية، وحده مَن ذاق عسل الطائفية وسمومها يعرفها جيدا.

ما يعرفه الخبراء في دهاليز السياسة اللبنانية لا تجهله عامة الناس.

ما يقوم به سياسيو لبنان في كل لحظة هو في حقيقته يدخل في اطار إدارة الأزمة ولا علاقة له بإدارة الدولة. وقد يكون بقاء كرسي الرئاسة في لبنان فارغا لأكثر من سنة هو واحد من أهم البراهين الجديدة على استفحال أزمة الدولة الفاشلة.

وإذا ما عرفنا الطابع الرمزي لمنصب رئيس الجمهورية في لبنان يمكننا أن ندرك حجم ما وصل إليه التفكير السياسي الرث من ضحالة واستخفاف بعقول الناس وعواطفهم ومن قبلهما بمصالحهم.

كانت أزمة النفايات التي عاشت بيروت فصولها مؤخرا هي الجزء الأقل ضررا من الأزمة الحقيقية التي تمر بهم فصولها من غير أن يرتابوا بوقوع شيء، من شأنه أن يشكل تهديدا لمصيرهم.

سعادتهم الكاذبة بطائفيتهم هي مصدر تعاستهم الجماعية.

هناك خيلاء طائفي لدى اللبنانيين هو العدو الذي يسحق كل إمكانية لقيام لبنان، دولة حديثة. وهو الداء الذي صار العراق مختبره الثاني وقد تلتحق سوريا بهما.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>