First Published: 2015-08-13

تصفير الأزمات على الطريقة المصرية

 

مصر، وليس تركيا، من يعتمد سياسة التوافق والهدوء مع الآخرين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

نحت المصطلحات اللامعة، وصك العبارات الغريبة، ونشر الجمل الجذابة، أصبحت حرفة لدى كثيرين، لأنها تضمن لفت الانتباه لأصحابها، وتثير الاهتمام عند آخرين، لذلك يلجأ إليها بعض الساسة والإعلاميين، بالحق أو بالباطل.

ومع أن مضمون تصفير الأزمات أو المشكلات معروف لدارسي العلوم السياسية منذ فترة، غير أن المصطلح اكتسب انتشارا غير عادي، منذ صعود حزب "العدالة والتنمية" وبزوغ نجم رجب طيب أردوغان ورفيقه ومهندس سياسة تركيا الخارجية أحمد داوود أوغلو، فقد تحولت النظرية إلى عنصر حاكم في كثير من توجهات أنقرة وخطابها السياسي، وتردد أنها قادرة على أن تطوي جميع صفحاتها القاتمة السابقة، وتحمل في أحشائها نقاط قوة تساعدها على فتح صفحات جديدة مع خصومها ومنافسيها، على أمل أن تتمكن من قيادة الفضاء القريب منها.

في ذلك الوقت، توقف ترمومتر البعض عند شكل الألفاظ والمعاني فقط، وردد آخرون كلام أوغلو بلا تمعن وروية، وبشروا بأن تركيا جديدة ولدت على أيدي جماعة أردوغان، ولم يتمهلوا انتظارا للفرصة المواتية والاختبار، وانصاعوا إلى الدعاية المفرطة، التي لم تأل جهدا في التبشير بعهد المحبة والوئام والسلام.

بعد حوالي عشر سنوات من تدشين هذه السياسة وتسويق أصحابها في البورصات الإقليمية والعالمية، فشلت تركيا في تصفير أي من المشكلات التي تعهدت بها وكانت تهدف إلى تسويتها، ولم تحافظ على القدر اليسير من أزماتها التقليدية والتاريخية، مع أرمينيا والأكراد وغيرهما، بل أضافت سوريا ومصر، ناهيك عن برود مصطنع مع إسرائيل، وكادت دائرة الأعداء الحقيقيين والملونين تتزايد، وفي النهاية أخفقت نظرية أوغلو في الوصول إلى أي من أهدافها القريبة أو البعيدة، وحملت أنقرة أعباء قضايا يمكن أن تستمر تداعياتها سنوات طويلة، مثل العلاقة الوطيدة مع جماعة الإخوان، وما يمكن أن تفضي إليه من إزعاج، لأنها بدأت ترخي بظلال سلبية على مصالح تركيا مع بعض القوى الإقليمية، علاوة على النتائج الكارثية المتوقعة جراء العلاقة الخفية التي ربطت بينها وتنظيم داعش الإرهابي، والتي دخلت الآن مرحلة غاية في الحساسية، ويمكن أن تمثل وبالا على زعماء تركيا.

إذا كانت العبرة بالنتائج، كما يقولون، فإن توجهات أردوغان أدت إلى مجموعة من المشكلات، وحملت بلاده ضرائب سياسية باهظة، كان من الممكن أن تستغني عنها، لو تم تغليب المصالح الوطنية على غيرها من الحسابات الأيديولوجية، في حين قادت التوجهات المصرية، التي طبقت نظرية تصفير الأزمات بطريقة عملية، وبلا شعارات أو ضجيج أو صراخ، إلى نتائج إيجابية ومبهرة، جنبت البلاد الصدام مع قوى متفرقة.

فقد خرجت مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013 منهكة ومستهدفة، ولم يقف معها سوى عدد قليل من الأصدقاء والمتعاطفين، وكانت هناك قوى إقليمية ودولية مختلفة تقف لها بالمرصاد، وتسعى للنيل منها بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة. وخلال عامين، بدأت خريطة التوازنات تنقلب رأسا على عقب، وتتحول الدول المعادية إلى صديقة أو محايدة على الأقل، وتكسب مصر احترام دول كثيرة، وتحتل مكانة متميزة وتتصدر الواجهة في بعض القضايا التي حيرت العالم، حيث ساهمت بدور واضح في إطفاء جزء من لهيب الإرهاب، الذي لا يزال ينهش جسد دولا متعددة، ولم تصطنع خلافا أو تفتعل معركة مع أي جهة خارجية، ولو كنوع من استعراض العضلات، بل غفرت لدوائر حاولت النيل منها، ولم تبادلها العداء بعداء.

في التعامل مع الأزمات المشتعلة بالمنطقة، راجت بورصة التوقعات بأن مصر على وشك أن تنزلق إلى إحداها، إن لم يكن دفاعا عن أمنها القومي المباشر، فدفاعا عن الأمن القومي العربي عموما. وبعد أن وجهت مصر ضربة عسكرية موجعة لمعسكرات داعش في ليبيا، قيل أنها دخلت المستنقع الليبي، وعندما شاركت بفاعلية في عملية عاصفة الحزم، تردد شبح سيناريو اليمن في الستينات، وظهر من يروج له ليعيده إلى الواجهة مرة أخرى. وعقب تكرار الحديث عن أمن الخليج ومتطلباته، ذهبت بعض التكهنات إلى أن هناك مواجهة مصرية- إيرانية تلوح في الأفق. وبعد تبني رؤية عاقلة ومتوازنة للتعامل مع الأزمة في سوريا، شاعت تخمينات أن مصر سوف تخسر رهانها، وتعتريها عقبات إقليمية، قد تجلب لها المزيد من الضغوط السياسية.

المهم أن الخلاصة في الحزمة السابقة من الأزمات والقضايا والملفات الإقليمية، أثبتت أن المشكلة ليست في نظرية أوغلو، لكن فيمن يطبق نظرية أوغلو. فالولايات المتحدة التي ناصبتنا العداء اضطرت إلى التسليم بالأمر الواقع، وأخذت تعيد تقديراتها الظاهرة بناء على مقتضياته، خاصة أن الحفاوة الروسية والصينية لم تغر مصر في أي لحظة على التضحية بأميركا، كما أن العداء السافر الذي أظهرته كل من تركيا وقطر وحركة حماس، لم يدفع الدولة رسميا إلى الانجرار وراءه، وفضلت التريث وضبط النفس، وهي على يقين أن إمكانية المراجعة من قبلهم لن تكون بعيدة.

في كل من ليبيا وسوريا واليمن والسودان والعراق والجزائر، وحتى مع إيران وحماس وحزب الله، بدت المقاربات المصرية حريصة على أن تنأى عن الالتحام المباشر، وتتعامل مع الأزمات المتراكمة وفقا لرغبتها العارمة في تحقيق السلام، وعزمها تجنب الدخول في مربع يضاعف من صعوبة العودة، وفي كل وقت كانت هناك أبواب ونوافذ مفتوحة، مكنتها من أن تكون فاعلة في النواحي الأمنية والجوانب السياسية، وجعلت النظرية التي فشل أوغلو في تطبيقها، تشهد نجاحا كبيرا على الطريقة المصرية.

بالتالي فصواب الرؤية، ووضوح السياسات، وبعد نظر المؤسسات الوطنية يلعب دورا مهما في تحديد الزاوية، التي يمكن من خلالها إحراز الأهداف.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>