First Published: 2015-08-15

العراقيون في مواجهة ليلهم

 

الحاق البياض بالتظاهرات هو لعبة لغوية شبيهة بالحاق صفة الجديد بعراق كُتب عليه أن لا يرى النور.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

أما آن لليل العراق أن ينجلي؟

ولكن هناك من يقول يائسا "لا شيء ينبئ بنهاية لذلك الليل الذي صارت متاهته تتداخل وتتقاطع وتتراكم ويركب بعضها فوق البعض الآخر ليشكل نوعا لا نهائيا من الفسيفساء التي بات من الصعب اعادتها إلى الاحتلال الاميركي الذي بدأت معه مرحلة من العذاب العراقي، هي الأصعب في تاريخ ذلك البلد الذي عرف أصنافا مختلفة من العذاب.

يقول البعض "إن المحتل صنع مشروعه بما يتناسب مع مقاسات بيئة محلية صارت فيما بعد حاضنة لتلك المشروع" وهو قول يحتمل الصدق لولا أن المشروع الاميركي لم يهبط على الأرض بطريقة تجريدية بل حضر مجسدا من خلال طاقم حزبي وطائفي، تم اختيار أفراده بعد طول تمحيص وتدقيق وعناية. وهم أفراد ينتمون إلى حياة عراقية سابقة، غير أنهم لم يشاركوا العراقيين معاناتهم من الجوع والعزل والحرمان والقمع في سنوات الحصار الدولي، التي كانت تعتبر أكثر السنوات العراقية حلكة.

لم يكن المشروع الاميركي الذي أنهى العراق دولة تملك من أسباب النجاح قدرا لا يستهان به ليجد طريقه إلى التنفيذ على أرض الواقع لولا تعاون الاحزاب والجماعات التي اختارها المحتل بنفسه لتكون ممثلة لإرادة الشعب العراقي.

وهو ما استمر عليه الحال حتى بعد أن غادر الاميركيون العراق بقرار تخل مريب اتخذه الرئيس الاميركي باراك أوباما بذريعة منع استمرار الانزلاق الاميركي في وحول العراق.

لقد استمرت الجماعات والاحزاب الموالية للمحتل في استثمار الاقطاعيات الهائلة التي سلمت إليها بعد الاحتلال، كما لو أن تلك الاقطاعيات صارت ملكا صرفا لها، وهو ما قاد العراق إلى ما هو عليه اليوم من انهيار شامل ضرب بعصفه كل مفاصل الحياة، بحيث صارت الحكومة تشكتي من الافلاس أكثر مما يفعل الشعب.

لقد صنع الاقطاعيون الجدد من العراق مخيما مؤقتا لإيواء عمالهم الذين يقومون بجمع الاموال الناتجة عن ثروات العراق، البلد الذي قطعت أوصاله بين المقاولين الذين أجبر المحتل الشعب العراقي على القبول بهم بإعتبارهم سياسيي الدولة البديلة التي سيشهد العراق إقامتها يوما ما.

أمل صارت غيومه تتبدد قطرة مطر واحدة.

فعراق اليوم الذي حول إلى عدد لا يحصى من المحميات الطائفية ليست فيه دلالة واحدة تشير إلى أنه سيقاوم قدره في الذهاب إلى مصيره، صومالا آخر، ليس أمام شبابه من فرص للعيش سوى أن يجندوا أنفسهم في خدمة الميليشيات، وهي الكيانات المسلحة التي تقوم بحماية اقطاعيات قطاع الطرق الذين صاروا زعماء للطوائف المتناحرة.

وإذا ما كان مصطلح التظاهرات البيضاء يذكر بثورة البعثيين البيضاء التي انتهت بمذبحة مروعة عام 1979 ذهب ضحيتها نصف القيادة الحزبية فإن تظاهرات الشباب اليائس في العراق لن تفلت من مصيرها الدموي. ذلك لأنها تسبق رئيس الوزراء حيدر العبادي في توجهه الاصلاحي الذي هو أشبه بالانتحار حسب وصف العبادي نفسه حين صار يؤكد أنه ماض في الاصلاحات حتى لو كلفه الامر حياته.

المتظاهرون لا يفكرون في مستقبل العبادي السياسي ولا في مستقبل حزبه الذي دمر العراق حين وضعه في المرتبة الأولى في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم.

ما يفكر فيه المتظاهرون هو مستقبلهم الذي صار بمثابة وديعة في قلب الليل العراقي الذي لن ينجلي إلا إذا عملوا على اجلائه بأنفسهم، وهي المهمة التي تعني هدم المعبد الذي يتحصن به كهنة المشروع الاميركي.

لقد بات واضحا أن كل ما أشيع عن ولادة عراق جديد هو مجرد تنويعات على الكذبة التي أريد من خلالها التغطية على حقيقة أن المشروع الاميركي في الاساس كان ولا يزال قائما بلد اسمه العراق.

الحاق البياض بالتظاهرات هو لعبة لغوية شبيهة بالحاق صفة الجديد بعراق كُتب عليه أن لا يرى النور.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
المزيد

 
>>