First Published: 2015-08-19

أجنداتهم وأجنداتنا

 

الخراب الذاتي الذي يمارسه العالم العربي بحق نفسه يغني الآخرين عن ابتكار خطط لتخريبه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

دخل مصطلح "اجندة" عالم السياسة في العالم العربي من باب ضيقة.

وبسبب سلطة وسائل الدعاية والاعلام وقوة تاثيرها فإن استعمال ذلك المصطلح لم يعد حكرا على رجال السياسة وكتابها، بل تعداهم إلى لسان رجل الشارع العادي، وإن صار ذلك الاستعمال أشبه بالمزحة الغامضة.

غالبا ما يدور الحديث عن أجندات الآخرين. أما أجنداتنا فلا أحد يقترب منها وقد لا تخطر على بال احد. لذلك فلا أحد يسأل عنها.

الآخرون متهمون من قبلنا باستعمال أجندات تضر بنا. أجندات هي موقع شبهة، لكن أحدا لم يوضح لنا ما فحوى تلك الاجندات، بقدر ما كانت المآسي والكوارث التي صنعها سياسيونا بأيديهم هي البرهان على وجود تلك الاجندات الخارجية المريبة. فكل هزائمنا لم تكن من صنعنا وما كان لتلك الهزائم أن تقع لولا ما يخفيه الآخرون من اجندات وضعت لكي تكون هزائمنا ممكنة.

ولأننا نهزم دائما فإن سجل تلك الآجندات لن يطوى أبدا.

إنه الصحيفة التي نعلن من خلالها براءتنا من المساهمة ولو بقدر ضئيل في ما جرى ويجري لنا من وقائع نحس. يغرينا موقف الضحية في الذهاب ابعد فنهب اعداءنا الافتراضيين قدرات جبارة وسحرية قد لا يملكونها.

لقد فعلنا بانفسنا ما لم تفعله أمة بنفسها من قبل.

بل فعلنا بأنفسنا ما لا يجرؤ العدو على فعله بنا لو تمكن منا.

غير أن أحدا لم يعترف بأن كل هذا الانهيار الذي صار يعلن عن نفسه في كل لحظة هو من صنعنا. لا لأننا مهدنا له من خلال ثقافتنا حسب بل وأيضا لأننا كنا راغبين فيه، وهوموقف من الذات وليس موقفا من الآخر الذي نزعم أنه يخترقنا بالمؤامرات والمكائد والدسائس.

ننظر من حولنا فنرى دولا وقد حطمت، شعوبا وقد شردت، ثروات وقد نهبت.

نرى الميليشيات وهي تحكم سيطرتها على شوارع مدننا. تقتل مَن تشاء وتسلب ما تشاء، في ظل مديح جماهيري منفعل بغفلته.

نرى القتل ونتمنى أن يكون أقل من غير أن نسعى إلى ايقاف ماكنته التي هي من اختراعنا.

ننسى في لحظات الحماسة العقائدية أن هناك ملايين من أبناء شعبنا انضمت إلى لوائح الامم المتحدة التي تحصي أعداد المشردين والنازحين واللاجئين والمهجرين الذين كانوا إلى وقت قريب يقيمون في مدنهم وبيوتهم ويذهبون إلى أعمالهم فيما يذهب أولادهم إلى المدارس مثلنا ومثل أولادنا تماما.

تغلغل عفن الفساد في أجسادنا ملوثا كريات الدم البيضاء والحمراء برائحته ولا نطالب بفتح مستشفيات لمعالجة ذلك الداء الذي انتقل من الايدي إلى القلوب. وبدلا من أن ندين الفاسدين صار البعض منا يبحث عن منفذ يتسلل من خلاله إلى جنات الفساد التي تمددت ونجحت في صنع عالم مجاور لعالمنا الذي ازداد قبحا.

ألا تنطوي كل تلك المظاهر على أجندات محلية صارت تتناغم مع الأجندات الخارجية، إن صح وجودها، ليؤلفا سوية قاموس انكسارنا وذلنا وفسادنا وهواننا وعارنا؟

لقد تخيل سياسيونا أنهم عن طريق التركيز على أجندات الآخرين يفرون بنا من مواجهة أجنداتنا. ولم يفعلوا ذلك رغبة منهم في حمايتنا من تسمية العار باسمه الحقيقي، بل لأن تسمية العار باسمه الحقيقي يمكن أن يهدينا إلى الجهات التي صنعت ذلك العار. وهي الجهات نفسها التي أوهمتنا بأن أجندات الآخرين الخارجية هي المسؤولة عما وصلنا إليه من ترد على جميع الاصعدة.

ولكن المسألة كلها انما تتعلق بسؤال واحد هو "لو كان لدى الآخرين أجنداتهم لتحطيمنا فما الذي منع من أن يكون لنا أجندات تعيننا على الصمود بدلا من تلك الأجندات التي كانت المصدر الأساس لهزيمتنا؟"

كان علينا قبل أن ننغمس في صب اللعنة على الآخرين بسبب أجنداتهن أن نتساءل "ألا تستحق اللعنة بسبب أجنداتنا؟"

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الانتحار الكردي بعد التمرد السني المغدور
2017-09-24
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
المزيد

 
>>