First Published: 2015-08-20

حديث المأزق العراقي الجديد

 

أسوأ ما تواجهه إيران اليوم ان الذين يتمردون عليها وعلى من نصبتهم لحكم العراق هم من الشيعة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إبراهيم الزبيدي

لقد وضعت الاحتجاجاتُ الشعبية العراقية الأخيرة جميع الأطراف في مأزق. فالحشود الغاضبة، وأغلبها علمانية وطنية تقدمية تعرف ما تريد، خرجت من صمتها ولن تتوقف إلا بتحقيق أهداف الجماهير. والمرجعية، ومعها حيدر العبادي والنصف الحمائمي في المعسكر الشيعي الحاكم، وإيران، ومعها نوري المالكي وجميع قادة الأحزاب والفصائل والمليشيات المشتقة من الحرس الثوري، في طريق مسدود.

فلا المتظاهرون قادرون على التراجع قبل تغيير النظام. ولا أحد من عبيد السلطة يريد، أو يجرؤ، على تلبية مطالب المتظاهرين المستحيلة. وإيران التي تُحرجها الاحتجاجات وتفقدها هيبتها وجبروت نفوذها في العراق، وربما في الدول العربية الأخرى، لا يمكن أن توافق على ما تريده الأكثرية من أبناء الطائفة، كما أن يدها مشلولة وعاجزة عن استخدام القوة ضد مسيرات العراقيين (الشيعة)، وهي التي أقامت كيانها الديني الطائفي وخطابها السياسي والعقائدي، معا، على أساس أنها حامية حمى الطائفة في العالم، واللآتية لتثأر لها عن مظلومايتها التاريخية المتوارثة.

كما أن ن نظام الخميني الذي قاتل ثماني سنوات لاحتلال العراق، وضحى بمئات الآلاف من من القتلى والمشوهين والمفقودين، وأنفق مئات المليارات من الدولارات، لن يُفلته من يده ببساطة، هذه المرة.

فليست مصادفة، ولا حدثا عابرا، إذن، أن يُستقبل نوري المالكي، بتلك الصيغة المُستغرَبة ذات المستوى الأعلى من الاعتيادي من التبجيل والتعظيم، ومن الكم الهائل من كتابات صحف النظام، وخاصة صحافة الحرس الثوري، عنه وعن عبقريته، وتوصيفات المرشد الأعلى لجهاده وخدماته لسوريا وللمقاومة والصمود، وهو المطرود من منصبه الرسمي، والمحال إلى القضاء بقرار برلمان أكثريته شيعية موالية لإيران ذاتها، والمطلوب رقم واحد من قبل المتظاهرين. إنها، ولا شك، رسالةٌ مقصودة موجهة إلى المتظاهرين العراقيين، أولا، وثانيا لحيدر العبادي، وثالثا للقوى الإقليمية والدولية الحالمة بإشعال حربٍ شيعية عراقية ضد النظام الإيراني في عقر داره العراقي، تقول، وبالقلم العريض، لا للتظاهرات، ولا لكل ما جاء منها، وما ما قد يترتب عليها، وأنه لن يقبل، ولن يتسامح مع أية محاولات جدية للإخلال بأمن جوهرة مستعمراته الغالية.

نعم قد يتساهل ويوافق على حرق بعضٍ من الوجوه المحسوبة عليه، أو بعضٍ من خدمه في المعسكر الديني الشيعي الحاكم، ولكن ليس خارج الحدود التي يسمح بها، ولا بغير ما يُنسبه، هو، ويوافق عليه.

فالفساد المالي والسياسي والإداري في العراق، ونقص الخدمات، وإفراغ الخزينة، وتسفيه التربية والتعليم، وتلغيم الأمن والأمان، وتخريب علاقات الدولة العراقية مع محيطها العربي والإقليمي والدولي، واغتيال العلماء والمثقفين والمفكرين العراقيين، وإغراق الوزارات والمؤسسات والسفارات بالفاشلين ومزوري الشهادات واللصوص، وتكثيف حملات التضليل والتجهيل والتخريف، كلها، صناعة وزراعة إيرانية خالصة، وسياسة مقررة ومعدة بحنكة ودراية لجأ ويلجأ إليها نظام الولي الفقيه لإدامة احتلاله، ولقتل روح المقاومة في العراقيين الذين قاتلوه ثماني سنوات.

وكل رؤوس الفساد الكبيرة التي يطالب المتظاهرون باجتثاثها هي رؤوس قادة أحزاب وميليشيات تعب النظام الإيراني في حَمْلِهم وولادتهم وإرضاعهم، وأنفق المال الوفير، والجهد الجهيد، في إعدادهم، وتقوية نفوذهم، وحمايتهم من أي مكروه. وحين ينادي متظاهرون وطنيون، تحرقت قلوبهم من شدة الظلم وطوله، باجتثاث هؤلاء الفاسدين المفسدين إنما يتخطوْن حدودهم، ويمسون الباب العالي، ويعلنون نفيرا عاما عراقيا لطرده من بلاد الرافدين.

وما إقدام زمرٍ من شبيحة هادي العامري وقيس الخزعلي، في الأسبوع الماضي، على اقتحام ساحة التحرير ببغداد، وإشباع المتظاهرين ضربا بالعصي والسلاسل والقضبان المطاطية، إلا (فركة أذن) خفيفة لقادة الاحتجاجات، وقد تصبح في المرة القادمة، صَلما لآذانهم إن لم يفكوا رموز الرسالة.

ولولا إيران، وعدوانية حرسها الثوري، وعنجهية وكلائه العراقيين واللبنانيين، لما كان بشار الأسد، ولا نوري المالكي، ولا هادي العامري، ولا عبدالملك الحوثي، ولا باقي زمرة القتلة المجانين. فالملالي، حتى في إيران ذاتها، لا يشعرون بالغثيان إلا حين تطالبهم الجماهير بالحرية والعدالة وسلطة القانون. ومعلومٌ ومسجلٌ وموثَّقٌ ولعُ أجهزة قمعهم بكتم أنفاس مواطنيهم، وبتكسير ظهورهم، وتقطيع ألسنتهم، حتى وإن كانوا من عظام الرقبة، ومن أبناء خيمة الأمام الخميني نفسه. فكيف إذا لم تكن تلك الجماهير الثائرة من عبيدهم، ولا من تابعيهم وجواسيسهم؟

لا أريد هنا أن أشيع الخوف في قلوب المتظاهرين الوطنيين الشجعان، ولكن أريدهم فقط أن يستعيدوا تجارب الشعب السوري الشقيق، ويدرسوا أدق تفاصيلها، وخاصة بداياتها السلمية التي لم تتجاوز الهتاف باسم الحرية والكرامة وسلطة القانون، وأن يجتنبوا الشطط والمغالاة، وألا يذهبوا بعيدا في مكاسرة الثور الإيراني الجريح، وخاصة في موسم هزائمه المتلاحقة في سوريا واليمن والبحرين والكويت.

ولا يظنَّنَ أحدٌ من الشباب المتظاهرين أن مرارة المأزق السوري، وفضيحة السقوط المدوي في اليمن، قد تجعلان الجنون الإيراني أكثر ترددا في الإقدام على سفك دماء المتظاهرين العراقيين. فالحقيقة هي أن هذه الأسباب، هي ذاتُها، ما قد يجعله أكثر قسوة وهمجية في قمعهم، إذا ما تأكد من أن حراكهم قد تحول، أو سوف يتحول، إلى خطر حقيقي يهدد وجوده في العراق وفي المنطقة.

إن الاحتجاجات العراقية التي لم يتورط فيها، لحد الآن، متظاهرون في محافظات سنية عربية أو كردية، وحرج كبير لإيران. لأنها تجعل عينها بصيرة، ويدها قصيرة. فكيف تقمعها وهي التي تدعي بأنها جنرالاتها وسلاحها ومخابراتها ومليشياتها موجودة في العراق لتحمي الشيعة العراقيين من داعش والقاعدة والوهابيين!

وهذا ما يفرض على قادة الحراك الشعبي أن يكونوا أشطر من غيرهم في قراءة الجغرافيا والتاريخ، ويعرفوا كيف يستثمرون هذا الشلل الإيراني الأكيد، وأن يخوضوا معاركهم مع نظام الولي الفقيه بعقلانية، ودون دماء، وأن يعمدوا إلى سياسة تسقيط أعمدة النظام بالتجزأة، وبالخطوة خطوة، وأن يفتحوا عيونهم على أخرها لمنع جواسيس الحرس الثوري وعصابات الدين السياسي العراقي من الاندساس على مسيراتهم، لتخريبها من داخلها، بتديينها وتسييها، أو بعسكرتها وافتعال الصدام. فقاسم سليماني، ومعه غربانه الجائعة، في انتظار.

 

إبراهيم الزبيدي

الاسم Adel Salem
الدولة www.adel-salem.com

صادق فيما تقول وهو عين الصواب مع التحيات

2015-08-21

 
إبراهيم الزبيدي
 
أرشيف الكاتب
بين احتلالين
2017-11-18
الانتخابات العراقية، ما الفائدة؟
2017-11-14
كركوك اليوم، والسليمانية أمس، وغدا أربيل
2017-10-23
شهادة وفاة العقد 'الفيدرالي' المغشوش
2017-10-12
حروب العنصريين القديمة الجديدة في المنطقة
2017-09-26
لا مسعود ولا خصومه
2017-09-15
إذهبوا فأنتم الطلقاء
2017-09-08
مراوغات ومناورات ومغالطات
2017-09-05
إيران وتركيا ومَن بينهما
2017-08-22
الخميني في الموصل وتكريت
2017-07-17
المزيد

 
>>