First Published: 2015-08-20

هواجس الثورة على المتشددين

 

لا يمكن ان تستمر مؤتمرات 'الإصلاح الديني' بطريقة إبراء الذمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

في كل مؤتمر يعقده الأزهر الشريف، أو أي من الموسسات الدينية في مصر، لمحاربة الأفكار المتطرفة، يتصور كثيرون أن لحظة مواجهة التيارات المتشددة قد حانت، والقضاء عليها من جذورها بدأ، وكابوس الإرهاب أوشك على الرحيل.

هذا ما راود قطاع كبير من المصريين وغيرهم، عندما عقدت دار الافتاء مؤتمرها العالمي هذا الأسبوع، حيث تمخض عن خطط طموحة لوضع حد لفوضى الفتاوى، بعد أن أصبحت تؤرق المعتدلين من العلماء، وقدم روشتة نظرية في فن التصدي ومحاصرة المتطرفين.

الصرخات المدوية التي أطلقها الشيوخ الأجلاء في المؤتمر، كشفت عن رغبة كبيرة في الحد من الأفكار الضالة، والفتاوى الشاذة، وأوحت لكثيرين أن الإنقلاب على المتشددين بدأ أولى خطواته، بعد فترة من التردد والحذر، وارتباك في الامساك بالخيوط الحقيقية لتجديد الخطاب الديني، وأهمها تقنين ما يصدر من فتاوى، والتصدي لأصحابها بالاجتهاد والعلم، ومراعاة ما طرأ على البيئة الاجتماعية والحضارية من تغيرات وتحولات، لم تعد تتناسب مع ما صدر من اجتهادات في أزمنة سابقة، لا تتناسب مع روح العصر الحالي ومقتضياته، وتستوجب المواءمة مع التطورات الحاصلة في العادات والتقاليد والأعراف.

النتيجة النهائية لمؤتمر دار الافتاء، بدت للبعض كأنها وفرت قاعدة جيدة للتفاؤل، لأن بيانه وضع يده على أهم مكامن الداء، الذي يهدد مجتمعات عربية وإسلامية متعددة، خاصة أن المؤتمر، ربما لأول مرة، تطرق بلا حذر لكثير من المناطق المحرمة، أو على الأقل التي كان من الصعوبة دخولها بسهولة، وهي كل ما يتعلق بالاجتهادات الغريبة، التي تمثل اعتداء صارخا على روح الإسلام الحقيقية، وقدمت للبعض مبررات وتفسيرات لتبني منهج العنف، بل والاقدام عليه باعتباره مدخلا (وهميا) للجنة، كما أنها ألصقت به صورا سلبية، وبدلا من أن يكون عنوانا للسماحة والاعتدال والتحضر، جعلته رمزا للتشدد والغلو والتخلف.

لكن هل هذه النوعية من المؤتمرات كافية لمواجهة المتطرفين، والحديث عن ثورة دينية توقف زحف المتشددين؟

في اعتقادي أن هناك مجموعة كبيرة من الهواجس ساورتني على هامش متابعة مؤتمر دار الإفتاء، وربما ساورت كثيرين غيري، كبحت علامات التفاؤل التي حاولت بعض الدوائر ترويجها، وظهرت خلال يومي المؤتمر، فقد حسب هؤلاء أن المؤسسات الرسمية في مصر، مدعومة من حوالي 50 جهة عربية وإسلامية انتفضت واستجابت لنداء تجديد الخطاب الديني الذي أعلن عنه، وألح عليه، الرئيس عبدالفتاح السيسي، وقررت التصدي عمليا لأحد مصادر الخطر الداهم.

وهو ما يحتاج لمزيد من إلقاء الضوء، فهناك جملة من الملاحظات الرئيسية تم رصدها، تجعل من الافراط في التفاؤل جريمة، وتوقع حدوث نقلة نوعية في الخطاب الديني رفاهية لا تتطلبها طبيعة الأجواء الراهنة، والاقتناع باقتراب اقتلاع التشدد من جذوره خيال، كما أن الترويج لفكرة الثورة الدينية زيف وتضليل، وقد يعطي انطباعات خادعة بأن مصر تسير على طريق إيران.

الواضح أن الاهتمام بالأبعاد النظرية لا يزال مسيطرا على كثير من اللقاءات التي تناقش قضايا حيوية، فمع أن من شاركوا في مؤتمر دار الإفتاء، كانوا في معظمهم، يمثلون جهات رسمية في مصر وخارجها، غير أن التركيز انصب على العبارات والتوجهات البراقة، التي توفر إيحاء بأن شيئا جلل سوف يحدث عما قريب، دون إدراك لخطورة الوقوع في هذا الفخ، ومن يقرأ البيان الختامي للمؤتمر يتصور أن ظواهر التشدد والعنف والإرهاب، والإفراط في الفتاوى ستنتهي قبل أن يصل من وقفوا وراء إدانتها إلى بيوتهم، لذلك فالحرص والتمسك بتنفيذ البنود والنقاط التي أشارت إليها جلسات المؤتمر من السمات الرئيسية لاختبار الجدية، الذي سبق وأن سقطت فيه مؤتمرات دينية سابقة، راهنت عليها دوائر في أن تكون نواة أدبية لمواجهة التشدد.

فقد انتعشت بورصة مؤتمرات مواجهة الإرهاب بالفكر خلال العامين الماضيين، وعقدت لقاءات عدة في القاهرة وغيرها، مثل الرياض والمنامة، وما زالت جذور الإرهاب تضرب في عمق المجتمعات العربية والإسلامية، ولو تم تنفيذ جزء يسير من التوصيات التي خرجت عن مؤتمري الأزهر أو مكتبة الإسكندرية فقط، في مجال آليات وخطط مكافحة الإرهاب، كانت مظاهره التي تنتشر يوميا انتهت أو تقلصت، لكن طالما الاهتمام يظل منصبا على صيغة موحدة لإبراء الذمة، لدى جهات دينية ومدنية مختلفة، سوف يستمر الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها، حيث تعقد مؤتمرات ويحضر مدعوون وتصدر توصيات، ويتم الصرف ببذخ، ويطمئن أصحاب القرار أن القافلة تسير.

إذا تواصل العمل بهذه الطريقة العرجاء، سوف يبقى العنف بكل ملحقاته السلبية، يضرب في العمق، ويتكبد المجتمع خسائر فادحة، فالخطوة الأولى العملية وقف نزيف الاستسهال، بمعنى أن تبدأ المؤسسات الدينية ثورتها من أجل الإصلاح، ووقف غول التشدد، من داخلها أولا، وعليها رتق ثيابها بصورة جيدة، وسد الثغرات على كل من استفاد من العيوب المتراكمة، وقطع الطريق على كل من يتهاون في التعامل مع هذه النوعية من المؤتمرات، لأن هناك فئة عريضة من الخارجين على يقين أن مواجهتها لن تبارح قاعات المؤتمرات، الأمر الذي يمنحها ثقة وجرأة للتمادي في التصرفات القاتمة.

ربما تكون الأمثلة التي ضربها الدكتور أحمد الطيب في كلمته أمام مؤتمر دار الإفتاء، بخصوص التماثيل والمجسمات ودور المرأة، تنطوي على إشارات كثيرة وموحية للحالة التي وصل إليها التنطع في الفتاوى، غير أن رسالتها للنخبة الثقافية قد تكون الأهم، حيث حملت (ضمنيا) دعوة بالكف عن التراشقات والمهاترات، لأن هدف المؤسسات الدينية الرسمية يتضافر مع نظيرتها المدنية، وهو وقف انتشار التشدد.

بالتالي من الضروري أن تتكاتف الجهود في هذه المعركة، لتجاوز عصر الظلام الفكري، لأن استمراره فترة طويلة، يمكن أن يجرف معه بعض ثوابت ومرتكزات التسامح المعروف في مصر.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>