First Published: 2015-08-20

ما وراء الأزمة المالية المُفتعلة للأونروا

 

السكوت على تخفيض مشاريع الوكالة في مختلف القطاعات سيمهد لمزيد من التخفيضات إلى أن يصبح وجودها شكليا مما سيسهل على الامم المتحدة اتخاذ قرار إلغائها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

لا يسعنا في البداية إلا أن ننوه بالدور الإنساني الاجتماعي والإغاثي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) طوال خمس وستين عاما من إنشائها، وفي هذا السياق نُذكِر بدورها مثلا في مجال التعليم، فجهودها في هذا المجال ساهمت في تبوء فلسطين – فلسطينيو غزة والضفة - الدرجة الاولى في مجال التعليم على مستوى الدول العربية ودول الشرق الاوسط، حيث كانت وما زالت الوكالة تقدم تعليما مجانيا ومتميزا. أيضا لا ننكر موقف الوكالة الإيجابي من حيث عدم تدخلها في الحياة السياسية للاجئين، فبالرغم من تبعيتها للأمم المتحدة وتلقيها الجزء الأكبر من تمويلها من واشنطن ودول الغرب التي تُصَنِف منظمة التحرير وفصائلها كذلك حركة حماس والجهاد الإسلامي كحركات إرهابية، إلا أن الوكالة لم تعاقب لاجئا فلسطينيا أو اسرته ممن يتلقون منها الدعم بسبب نشاطه السياسي أو انتمائه لمنظمات مقاتلة، بل كانت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجد الوكالة الخمسة – غزة والضفة والأردن وسوريا ولبنان – معقل الثورة الفلسطينية.

مع إدراكنا أن أعباء وكالة الغوث تزايدت خلال السنوات الاخيرة بسبب ثلاثة حروب مدمرة على قطاع غزة والدمار الذي لحق مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان بسبب الحرب الأهلية، إلا أنه يجب الحذر من الأهداف السياسية لتضخيم "للأزمة المالية" التي تعانيها الوكالة، فالوكالة ليست مشروع إغاثة إنساني فقط بل عنوان لقضية اللاجئين وشاهد على جريمة النكبة وتهجير الفلسطينيين من أرضهم ووطنهم.

لا يجوز لأية ازمة مالية للوكالة أن تُلغي الدور والوظيفة السياسية للوكالة، حيث كان لتأسيس الوكالة هدفا سياسيا مركبا لا يقل أهمية وخطورة من هدفها الإغاثي والإنساني. تأسست الوكالة بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 ديسمبر 1949 بعد صدور القرار الأممي 149 يوم 11 ديسمبر 1948 الذي يطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين ورفضت إسرائيل تطبيق القرار كما عجزت الامم المتحدة، أو لم تشأ، إلزام إسرائيل بالسماح بعودة اللاجئين. ولو عاد اللاجئون لوطنهم آنذاك ما كان مبرر لاستمرار عمل الوكالة إلى اليوم.

لذا فإن مسؤولية الأمم المتحدة عن اللاجئين لا تَسقط حتى يتم عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم، وكون الأمم المتحدة عاجزة عن إلزام إسرائيل بتنفيذ قرار عودة اللاجئين، فهذا لا يسقط عنها المسؤولية. وبالتالي فإن أية محاولة لإلغاء وجود ودور وكالة الغوث سيكون له تداعيات تمس قضية اللاجئين وحق العودة، وهو ما يتعارض مع قرار تأسيس وكالة الغوث الذي ربط ما بين استمرارية عمل الوكالة وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.

كل ما تقوله القوى السياسية الفلسطينية وما يتفق عليه غالبية الشعب الفلسطيني من وجود أسباب سياسية من ووراء الأزمة المالية كلام صحيح، وخصوصا إذا علمنا أن غالبية التمويل الذي يأتي للوكالة مصدره الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان. نقطة الضعف في هذا التمويل أنه تمويل طوعي وليس إجباري، وهذا خلاف المعمول به بالنسبة لمنظمات الأمم المتحدة المتخصصة الأخرى كاليونسكو أو اليونيسيف الخ وربما كان هذا الأمر مقصودا.

لأن تمويل ودعم الدول للوكالة اختياري فإنه يرتبط بالموقف السياسي لهذه الدول من الصراع العربي الإسرائيلي، وعليه نلاحظ أن ظهور الازمة المالية لوكالة الغوث بدأ بعد توقيع اتفاقية اوسلو، وتفاقمت الآن مع الحديث عن كيان غزة ومفاوضات تجري بالسر على مسارين بين إسرائيل من جانب ومفاوضين من حماس، وبين إسرائيل ومفاوضين من السلطة، بواسطة دول أوروبية.

لذا لا يمكن وضع الأزمة المالية المفتعلة لوكالة الغوث خارج سياق ما يجري من عمليات تصفية ممنهجة للاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان، وخارج سياق تطورات وتحركات سياسية لها علاقة بتسوية سياسية خفية أهم مكوناتها تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، تفكيك قضية القدس والمقدسات من خلال إشراف أردني على المسجد الأقصى، إقامة كيان في غزة، وإنهاء المقاومة الفلسطينية.

وفي هذا السياق نحذر مِن، ونُشير إلى ما يلي:

1- الحذر من توظيف جهات دولية لحالة الانقسام والضعف التي يمر بها النظام السياسي الفلسطيني سواء في الضفة أو غزة لتصفية قضية اللاجئين من خلال افتعال الأزمة المالية للأونروا.

2- توقيت تفجير الأزمة المالية لوكالة الغوث مع وصول المفاوضات التي لم تعد سرية بين حركة حماس وإسرائيل حول الهدنة ورفع الحصار عن غزة لمرحلة متقدمة، ومع فشل تحقيق حكومة وحدة وطنية، ومع استمرار الحديث ولو بالخفاء عن توطين اللاجئين في سيناء، كل ذلك يثير أكثر من سؤال حول توقيت افتعال الأزمة.

3- الحذر من أن تقوم السلطة الفلسطينية بالحلول محل وكالة الغوث في تقديم المساعدات التي تقدمها الوكالة للاجئين، سواء في مجال التعليم أو الصحة أو الشؤون الاجتماعية.

4- الحذر من أن تقوم الدول العربية بتغطية العجز المالي للوكالة بشكل دائم، لان ذلك يُسقط المسؤولية الدولية وخصوصا الغربية عن قضية اللاجئين، ويُفقد القضية بعدها السياسي، ويجعل من قضية اللاجئين قضية عربية ومسؤولية عربية، وهو ما تقوله إسرائيل من أن العرب مسئولون عن استمرار قضية اللاجئين حتى اليوم، وعليهم أن يحلوا قضيتهم من خلال توطينهم في البلاد العربية.

5- الحذر من فك الارتباط بين وجود وكالة الغوث وقيامها بمهامها من جانب وقضية عودة اللاجئين الفلسطينيين من جانب آخر، فوجود الوكالة مرتبط بوجود مشكلة اللاجئين ولا يمكن إنهاء وجود الوكالة حتى يتم حل قضية اللاجئين.

6- السكوت على تخفيض مشاريع الوكالة في مختلف القطاعات سيمهد لمزيد من التخفيضات إلى أن يصبح وجودها شكليا مما سيسهل على الامم المتحدة اتخاذ قرار إلغائها.

7- ردود الفعل الخجولة للدول العربية وخصوصا المُضيفة للاجئين قد يشجع الجهات التي تقف وراء خلق الازمة المالية على مزيد من الخطوات لتحميل هذه الدول مسؤولية اللاجئين المُقيمين على أراضيها.

8- في ظل الحالة الاقتصادية المتردية في الضفة وغزة، فإن وقف أو تخفيض خدمات الاونروا قد يؤدي لحالة من الفوضى والانفلات الأمني في المخيمات وخصوصا في الضفة وغزة وقد يؤدي لانهيار السلطة.

9- حتى الآن فإن ردود فعل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطتين في الضفة وغزة ردود هزيلة ولا ترتقي إلى مستوى خطورة ما يُحاك لوكالة الغوث ولقضية اللاجئين.

10- الحراك الشعبي الواسع هو فقط ما سيفشل أي مخططات لإنهاء قضية اللاجئين سواء من خلال تصفية وكالة الغوث أو أي مشاريع للتوطين. وهنا نذكر بمشاريع التوطين في سيناء خلال الاعوام من 1953 – 1955 والتي تم إفشالها من طرف الفلسطينيين أنفسهم وخصوصا في قطاع غزة.

وأخيرا، أليست مفارقة غريبة وتثير الشك، أنه في الوقت الذي تتفاخر السلطة الفلسطينية باعتراف 138 دولة بفلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة وتحتفل بكل اعتراف جديد بهذه الدولة العتيدة، تعجز أو ترفض كل هذه الدول عن تغطية عجز مالي لوكالة الأونروا مقداره 120 مليون دولار فقط، وهي الوكالة المسؤولة عن غوث وتشغيل نصف الشعب الفلسطيني! فهل هذه الدول تعترف بدولة لشعب فلسطيني غير هذا الشعب الذي يعيش نصفه في المخيمات ويتعرض كل يوم للعدوان وأراضيه للاستيطان؟

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
الهروب نحو الحل الإقليمي لن يحل المشكلة
2017-03-09
في خفايا العلاقات المصرية الفلسطينية
2017-03-03
الدولة الفلسطينية ليست منة أو منحة من أحد
2017-02-18
تهافت مقولة عبقرية اليهود والغرب وتخلف العرب
2017-02-14
تصفية مرحلة التحرر الوطني قبل إنهاء الاحتلال
2017-02-07
كفى مكابرة، فقد أنكشف المستور
2017-01-31
ترامب وسياسة حافة الهاوية
2017-01-27
السلام: هذا المصطلح المراوغ
2017-01-21
أهمية مؤتمر باريس في انعقاده وليس في مخرجاته
2017-01-15
المزيد

 
>>