First Published: 2015-08-23

الصحافة تعني معرفة الآخرين أكثر

 

عندما يكون التواضع من سمة الكبار، سيشعر الكتاب الكبار حقا بالامتنان من المحرر في تصحيح معلومة أو التنبيه على زاوية تناوله لحدث بغير مكانه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

صدم جون كاي بحادثة صحفية في مستهل تجربته، جعلته اليوم أكثر حكمة ورسخت لديه فكرة أن التواضع من سمة الكبار، ويمكن أن نجد معادلا لهذه الحادثة-الصدمة من عمق الأجواء الصحفية اليومية وفق ما كتبه كاي في صحيفة فايننشيال تايمز هذا الأسبوع، فقد نشر في مستهل حياته الصحفية عندما كان رئيس تحرير مجلة اقتصادية، مقالة بقلم أستاذ بارز يصفه بالمعروف بسبب تصريحاته بخصوص السياسة الاقتصادية أكثر من أبحاثه العلمية.

لكنه قبل مرحلة النشر الأخيرة أخذ يشكك في بعض الأرقام الواردة في أحد جداول المقال، وأثناء إجراء حساباته، وجد أنها كانت أرقاما خاطئة، فاتصل بالكاتب والأستاذ البارز واقترح عليه إدخال البيانات الصحيحة. وعندما استفسر مبدئيا منه إن كان يرغب في مراجعة النص واستنتاجاته في ضوء تلك التصويبات، أو على الأقل رؤية الجدول الذي تم تعديله؟

وجاءه جوابه بسرعة: لا ومن دون أي اعتذار!

تلك هي الصدمة التي علمت جون كاي الحكمة في مستهل عمره الصحفي الافتراضي والواقعي أيضا، وها هو منذ عام 1995 يواصل كتابة عموده الصحفي في الاقتصاد والأعمال التجارية، ويمارس عمله كأستاذ زائر في كلية لندن للاقتصاد، وأنشأ معهد الدراسات المالية باعتباره إحدى مؤسسات الفكر والرأي الأكثر احتراما.

ونشر كاي العديد من الكتب، بما في ذلك أسس النجاح للشركات (1993)، لجنة تقصي الحقائق عن الأسواق (2003) التمويل والاستثمار للناس (2009) الاعوجاج: لماذا يتم تحقيق أهدافنا أفضل بشكل غير مباشر (2010).

سأجد معادلا لهذه الحكاية على الضفة الأخرى لكنه يبعث بنفس الصدمة، فقبل سنوات أجريت حوارا مع روائية على درجة من الأهمية وحاصلة على جائزة أدبية مرموقة وأرسلته إلى مجلة عربية شهرية مرموقة أيضا بعد اتفاق مبدئي معها. وعندما نشر الحوار من دون تأخير، كانت الصدمة أشبه بسقطة صحفية مريعة، فالمحرر المسؤول اختصر الحوار بشكل عشوائي ومن دون الاتفاق معي على الأقل -كما حصل بين جون كاي والأستاذ البارز- وفي فوضى الاختصار ومن دون مراجعة حذف اسم الروائية المحاورة، وهكذا بقيت الأسئلة مقطعة الأوصال معلقة تطلق على كائن مجهول لا يعرفه القارئ ويتلقى إجابات مختزلة غير مكتملة الفكرة بعد الاختصار العشوائي من قبل المحرر المسؤول، ولولا الصورة المنشورة للروائية مع الحوار لضاع كل شيء في المجلة المرموقة، وهذه المرة بسبب المحرر الذي لم يعتذر عن سقطته الصحفية بل دافع عنها تحت مسوغ إن الحوار مادة صحفية قابلة للتحرير، وبالطبع لم يجدد ما يبرر به حذف اسم المحاورة.

في نهاية الأمر لم تكن الصدمة قد أصابتني كصفحي بنفس القدر الذي أصاب الروائية التي وجدت اسمها محذوفا وأوصال أفكارها مبعثرة في المجلة العربية المرموقة، لأنني ابن مطبخ صحفي أدرك طبيعة ما يحدث في مكاتب صحفنا ومجلاتنا العربية، وأجد العذر لزميل مرتبك في مهمته أو يعمل فوق طاقته، لكنني لا أجد له عذرا في الدفاع عن الخطأ.

وبين الأستاذ الاقتصادي المرموق ومحرر المجلة العربية المرموقة مقطعة أوصال حواري، تكمن تداعيات قصص على ما نشر وما لم ينشر نستطيع أن نستخلص منها أكثر من حكمة جون كاي الذي وجد أن الاعتراف بحدود المعرفة سمة الكبار.

إن العمل الصحفي يكشف طبيعة الآخرين كما هم وليس بما يسطرونه من أفكار. فعندما يعترضون على إصلاح معلومة خاطئة في مقالة لمجرد الاعتراض لا أكثر يكشفون عن حدود معرفتهم وعن قيمة ما يقدمونه للقراء.

في كل الأحوال علينا أن ندرك أن الصحافة صناعة تخضع للتحرير المناسب لهوية الصحيفة وطبيعة خطابها، مثلما تخضع المادة لإخراج صحفي من الأهمية أن يتوافق مع الشكل العام، الأمر الذي يتطلب تكيف المادة المقدمة من قبل الكتاب مع طبيعة الإخراج الصحفي، وكل هذا يحدث بعد التشاور مع الكاتب نفسه.

في المقابل قد يكتشف كتاب على درجة من المعرفة أنهم يتعاملون مع محرر غير جدير بموقعه عندما يتصرف بما كتبوه بشكل عشوائي ومن دون مسؤولية مهنية، لمجرد وضع لمساته على ما أرسل إليه.

المادة الصحفية ليست قصيدة، هكذا تفترض قواعد النشر وإحساس الكاتب بأن ما ينتجه أشبه بقصيدة غير قابلة للمس، فكرة لا يمكن تحقيقها في الصحافة.

وعندما يكون التواضع من سمة الكبار، سيشعر الكتاب الكبار حقا بالامتنان من المحرر في تصحيح معلومة أو التنبيه على زاوية تناوله لحدث بغير مكانه.

ثمة طباخ وثمة متذوق في المطبخ الصحفي سنحتاج إلى مساحة من التوافق بينهما من أجل إنجاح الطبخة، وإلا تسربت رائحة الطعام المحروق.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم جنا الصباغ
الدولة دبي

تعبير جميل للكاتب ساضعه في حسابي على فيسبوك يجمع بين الصحافة ومطبخ الطعام

ثمة طباخ وثمة متذوق في المطبخ الصحفي سنحتاج إلى مساحة من التوافق بينهما من أجل إنجاح الطبخة، وإلا تسربت رائحة الطعام المحروق.

2015-08-23

الاسم متابع
الدولة لندن

وعاد خبيركم كرم نعمة الى الاعلام مو قلنا مقالك جميل عن التفاح لماذا عدت الى نفس القصة

2015-08-23

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
المزيد

 
>>