First Published: 2015-08-27

أميركا تدعم خطة بوتين العربية

 

من الخطأ التعامل مع الهجمة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تقوم بها موسكو باتجاه المنطقة العربية على أنها 'بابا نويل' الذي يقدم الهدايا للأطفال.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

النجاحات التي حققتها روسيا على مستويات مختلفة، مكنت قيادتها أن تتطلع للقيام بمزيد من الأدوار في عدد من المناطق الملتهبة، بينها الشرق الأوسط، الذي يعد تاريخيا ساحة أساسية لاختبار النفوذ، والقدرة على ممارسة السيطرة، والإمساك بزمام بعض القضايا المحورية.

تزامن الزيارة التي يقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسي لموسكو حاليا، مع زيارة كل من الملك الأردني عبدالله بن الحسين، وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، لم تأت صدفة، فوجود هؤلاء القادة في توقيت واحد له دلالات سياسية كبيرة، كما أن الحديث عن زيارة متوقعة لروسيا يقوم بها الملك سلمان بن عبدالعزيز، تضفي المزيد من المعاني العميقة، خاصة أن الزيارة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي الشهر الماضي، لا تزال أصداءها السياسية والعسكرية مستمرة.

تحول موسكو إلى ما يشبه القبلة العربية جاء متسقا مع مجموعة من الاعتبارات السياسية، أهمها امتلاك روسيا لرؤية محكمة يقودها الرئيس فلاديمير بوتين، تقوم على تبني خطة للاقتراب من الأزمات المشتعلة في المنطقة، وتأكيد القدرة على القيام بأدوار مهمة فيها، تتواءم مع الطموحات الروسية، وتستفيد من الأخطاء الأميركية التي ظهرت في التعامل مع عدد من القضايا العربية، وتوظف الارتباك الناجم عن سوء تقديرات واشنطن خلال الأعوام الماضية، والتي ظهرت ملامحها في مصر والخليج وسوريا وليبيا واليمن.

كما أن القيادة الروسية أرادت مساندة بعض الدول العربية في توثيق العلاقات معها، بعد أن استشعرت الأخيرة تخاذل الولايات المتحدة في دعمها سياسيا، وانحيازها لكفة إيران، التي تسعى لتكريس وجودها، كقوة إقليمية مهيمنة على مفاتيح قضايا متعددة، ناهيك عن أن التقتير، والابتزاز أحيانا، الذي بدا واضحا في عدد من التصرفات الأميركية، دفع دولا عربية عدة إلى اللجوء لسياسة تنويع الخيارات والبدائل الدولية، ومحاولة تخفيف الاعتماد تماما على واشنطن، لأنها حليف غير موثوق فيه.

خطة روسيا، أو بوتين بمعنى أدق، تقوم على الانفتاح على جميع الأطراف المنخرطة في أزمات المنطقة، وإجراء حوارات متنوعة مع القوى المتحكمة في الحل والعقد، فهناك محادثات مع إيران والسعودية ومصر وتركيا وغيرها، وقوى محلية متصادمة في أزمات ساخنة، وتقديم مقاربات متوازنة في القضايا الأساسية، تتناسب مع دور الوسيط وتبتعد عن دور الوصي، بغرض كسب ثقة الجميع، ومحاولة تخفيف الانحيازات المسبقة.

لعل المعالم الأخيرة التي ظهرت على الموقف الروسي حيال الأزمة السورية، تنطوي على شيء من هذا القبيل، حيث انفتحت موسكو على عدد كبير من الأطراف المتصارعة، سياسية وعسكريا، بصورة مباشرة وغير مباشرة، وبدأت مرحلة التفكير خارج الصندوق، حيث قبلت بالتعاون والتنسيق مع قوى تعلم جيدا عمق علاقاتها مع جماعات متطرفة، ارتكبت أعمالا إرهابية في سوريا وغيرها، أملا في تمهيد الطريق أمام تسوية، تقود إلى حل سياسي حقيقي، ينهي المأساة السورية.

التحركات الروسية جاءت منسجمة مع رغبات وتطلعات عدد من القوى الدولية المؤثرة، بعد أن بدأت مصالحها تتضرر، بسبب دوامة العنف التي تدور في المنطقة، وتصاعدت حدة التأثيرات السلبية للدرجة التي اقتربت من قلب وعقل بعض الجهات الغربية، خاصة أن الحسابات التي بنيت عليها ترتيبات ما بعد ثورات الربيع العربي، لم تحقق نتائج إيجابية كبيرة، وفتحت الباب لهواجس أمنية، سوف تكون لها انعكاسات خطيرة، إذا تواصل مسلسل الإرهاب على منواله، في كل من سوريا والعراق وليبيا ومصر، ويمكن أن تلحق بهم لبنان والأردن وغيرهما.

الرهانات التي تضعها دوائر كثيرة على روسيا لوضع حد لبعض الأزمات تبدو كبيرة، لكن المشكلة أن الأمنيات التي بنيت على دور موسكو فاقت كل التوقعات ووصلت إلى حد الأحلام، فهناك من اعتبرها عودة لأيام الاتحاد السوفييتي السابق بكل ما تحمله من أفكار، وهناك من أخذته العزة وبدأ يروج لاستقطابات دولية جديدة، والإيحاء بأن أجواء الحرب الباردة في القرن العشرين، بدأت تطل برأسها في القرن والواحد والعشرين، وفريق ذهب في أطماعه إلى درجة ترديد نغمة سياسية تبشر بانتهاء العصر الأميركي وبداية عصر الدب الروسي.

فهم ما يجري من حولنا يتطلب مراعاة جملة من النقاط الجوهرية، قد تساعد في تفسير جانب من المشهد الإقليمي، وتشابكاته الدولية، والحدود التي من المتوقع أن تصل إليها المقاربة الروسية الجديدة، أبرزها أن موسكو اليوم ليست التي عرفها العالم في خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث كانت تحكمها تقديرات أيديولوجية صارمة، أما الآن فهي محكومة برؤية تنطلق من فكرة الانفتاح على العالم، تقوم على قواعد ليبرالية، وبعيدة عن الرؤى الاشتراكية، وحسابات المصالح تلعب دورا في كل كبيرة وصغيرة تتعلق بالتحركات الروسية.

ومن الخطأ التعامل مع الهجمة، السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، التي تقوم بها موسكو باتجاه المنطقة العربية على أنها "بابا نويل" الذي يقدم الهدايا للأطفال حبا في برائتهم، فكل الصفقات التي عقدت، أو سوف تعقد في المستقبل تنطلق من اعتبارات دقيقة للغاية، معروف أولها من آخرها، وحجم المكاسب المادية، والمردودات المعنوية، والتنازلات ودوافعها.

النقطة الأهم، التي يحاول تصديرها البعض، حبا في موسكو، أو غضبا من واشنطن، أن الولايات المتحدة فقدت كل أوراقها في المنطقة، وفي سبيلها للانسحاب التدريجي، وأن التقدم الروسي نحو الشرق الأوسط يأتي على جثة أميركا، أو رغما عن إرادتها، في حين أن هذا التقدم جاء بقدر من التوافق، الصريح والضمني، بين الدولتين، فهل كان من الممكن أن تعقد واشنطن الصفقة النووية مع إيران، بعيدا عن روسيا؟ وهل يمكن تسوية الأزمة السورية مثلا بدون موافقة موسكو؟

بالطبع لا، كما أن الفترة المقبلة متوقع أن تشهد حلولا صعبة لعدد من الأزمات الإقليمية، يصعب تمريرها وسط وجود فيتو روسي في مجلس الأمن، وفي ظل المواقف العدائية لتصرفات الولايات المتحدة سيكون من المستحيل أن تواصل أدوارها التقليدية، لذلك لابد من صوت مقبول ومسموع، يرعى التسويات، ويقبل الصفقاات، ولن تجد الكثير من الأطراف أفضل من العراب الروسي في الوقت الراهن.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>