First Published: 2015-08-30

النوبلي بارغاس يوسا مستاء من صحافة القيل والقال

 

نيويورك تايمز تعترف أن معاييرها الصحفية لم تتناسب مع استخدام معلومات عن الروائي ماريو بارغاس يوسا في عرض نشرته لآخر كتبه عن موت الثقافة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لماذا تنشر مثل هذا الهراء في صفحة عرض الكتب؟

ينطبق أحيانا وصف صحف عالية الجبين الذي خص به المدون الإعلامي جيف جون روبرتس صحف التابلويد التي لا تخفض نظرها خجلا، على صحف يفترض بحساسيتها العالية، لأنها تتخلى عن مجهر المسؤولية في مراقبة أخبارها.

وهذا ما حدث بالفعل مع صحيفة نيويورك تايمز هذا الأسبوع عندما اعترفت أن معاييرها الصحفية لم تتناسب مع استخدام معلومات عن الروائي ماريو بارغاس يوسا في عرض نشرته لآخر كتبه عن موت الثقافة.

فبعد أن عبر بارغاس يوسا الحاصل على جائزة نوبل للآداب عن انزعاجه من صحافة “القيل والقال” كونها نشرت معلومات عنه لا تمت للحقيقـة بشيء، واصفا المعلومات بالافتراء الغادر، تراجعـت الصحيفة عما نشرته معترفة بأن محررها استخدم معلومات منشورة في موقع صحيفة دايلي ميل البريطانية على خلاف المعايير الصحفية لنيويورك تايمز وأنه لا ينبغي إدراجها في العرض.

ولنا أن نتخيّل معادل الحساسية الخبري بين صحيفة مثل نيويورك تايمز تصنف بحساسيتها العالية، وصحيفة شعبية مثل دايلي ميل القصة الإخبارية بالنسبة لها تفقد أهميتها إن لم تحمل مواصفات الفضيحة.

فلماذا استعان محرر الصحيفة الأميركيـة فـي صفحـة جادة لمراجعـة الكتـب بمعلومات من صحيفة شعبية بريطانية، وهو يدرك أنها لم تتناول في قصتها ما يمت بصلة لأدب ماريو بارغاس يوسا وطريقة تفكيره في إنتاج النص الروائي، وقيمة ما يكتبه، بل تطرقت إلى معلومات عن حياته الشخصية وعلاقته بزوجته.

الروائي البيرواني لم يبال عندما نشرت الصحيفة الشعبية البريطانية قصة عن علاقته بملكة جمال الفلبين إيزابل برييسلر التي وصفتها بلؤلؤة مانيلا، لأنه لا يعول على أخبار مثل هذه الصحف، وأنه لم ينزعج مثلا عندما وصفه مؤخرا نائب الرئيس البوليفي ألبارو غارثيا لينيرا بالرجل السياسي الفاشل، وأنه نموذج أوشك على الانقراض لكونه يؤمن بالأفكار الليبرالية!

لكنه لم يخف تذمره وانزعاجه من نيويورك تايمز وهي تنشر مثل هذا الهراء في صفحة عرض الكتب!

وقال إنه لا يملك أصلا أي حساب على موقع تويتر ليفند مزاعم الكلام المنسوب إليه حول علاقته بإيزابل برييسلر وبيع قصته معها ومجموعة من الصور إلى مجلة أسبانية بمبلغ كبير من المال.

ثمة سؤال عن جدوى الاستعانة بمثل هذه المعلومات الشخصية في عرض لآخر كتب بارغاس يوسا الذي يتناول تداعيات “وفاة الثقافة” وهو مجموعة مقالات عن المجتمع وطبيعة الحياة. فهل وضع المحرر مجهر المسؤولية على قصته قبل أن يدفع ما كتبه إلى النشر؟

إن تراجع الصحافة الورقية في الزمن الرقمي صنع نوعا من الإعلام “المحترم” وفق تعبير روبرتس، لإنتاج المزيد من قصص الجودة العالية. وليس كما عهدنا صحف التابلويد التي بنت سمعتها على إلحاق الأذى بغيرها واستقطاب الجمهور مهما كان ثمن التنازل بمنظومة القيم.

وبث معلومات هامشية في عرض لكتاب ثقافي لروائي حاصل على جائزة نوبل للآداب لا يمكن أن يحقق فكرة الإعلام المحترم التي عبر عنها جيف جون روبرتس، فضلا عن كونها فكرة بغيضة أن ينشغل بها إعلام يتميز بمسؤوليته العالية ويجد القارئ نفسه في صحفه، كي لا يرمي الصحيفة من الوهلة الأولى.

فإذا أدارت وسائل الإعلام ظهرها للمجتمع -وفق تعبير رئيس تحرير صحيفة الغارديان السابق آلان روسبردجير- من أجل أنانية تجارية، والاكتفاء بفكرة ليس ثمة ما يمكن أن نتعلمه، فإنها فقط ستدخل في غياهب النسيان.

من الأهمية أن تركز الصحافة على خطابها كمفهوم في تحمسها للمستقبل، وليس نماذج أعمال تجارية.

إذ لا يمكن معاملة صناعة القصة الإخبارية وعرض الكتاب الثقافي كبيع صور إباحية في الصحف الشعبية، لأن المجتمع لا يقبل بالتنازل عن اتجاهات قائمة وراسخة من أجل صناعة تجارية.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
المزيد

 
>>