First Published: 2015-09-01

مصر: رجال الأعمال في زمن السيسي

 

يتعاملُ نظام السيسي مع رجال الأعمال بصفتهم أمراً واقعاً يجب الإستفادة منه، ويشبّه البعض أسلوب الرئيس في مقاربة الاقتصاد بأنه خلطة بين طهرانية عبد الناصر وواقعية السادات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لرجال الاعمال في مصر سمعة لا مثيل لها في أي دولة في العالم. ولئن اشتهر رجال الاعمال في العالم في ما تحققه مؤسساتهم صعوداً وهبوطاً، أو في الفضائح التي قد تواكب أعمالهم، فإن أمرهم في مصر أخذ طابعاً آخر، منذ أن أصبحت هذه الطبقة، في عهد الرئيس حسني مبارك شريكاً في الحكم والسياسة، مهيمنة على الحزب الحاكم تتوزع فيما بينها المواقع الوزارية كما مواطن النفوذ.

بسقوط نظام مبارك تصدّع الموقع السياسي لرجال الاعمال الذين عملوا برعاية الرئيس وولديه، لصالح رجال أعمال من الاخوان المسلمين في عهد الرئيس محمد مرسي. وجد الفريق الأول أن لا حظوظ له بالحصول على التسهيلات التي كان ينعمُ بها سابقا وأن تلك الحظوة ستنتقلُ بالافضلية المنطقية لرجال الأعمال من الإخوان الذين شكلوا تشكيلات تجمعهم دون زملائهم "التوريثيين". عكس ذلك أن النظامين المتتاليين، الساقط والصاعد، يعوّلان على تلك الطبقة، بغضّ النظر عن أخلاقية الأمر في بناء نظرية حكم جديدة.

سقط نظام الإخوان وسقطت منابر إعلامهم المموّل، في جزء منه، من قطاع الأعمال الأخواني. بالمقابل عملت وسائل الاعلام التي يمتلكها رجال الأعمال، سواء كانوا متواطئين مع نظام مبارك أو مستقلين عنه ومعادين للإخوان، على تقويض العهد الإخواني وفتح المنابر أمام معارضي مرسي وجماعته. كان واضحاً أن الفضائيات التي راجت في مصر ليست مشاريع ربح مادي، بل هي أدوات ناجعة لحماية "البزنس". فإذا ما سقطت حمايتيّ مبارك ومرسي، فإن الإعلام الذي يملكه رجال الأعمال هذه الأيام يبقى وسيلة استباقية لأخذ حيّز في مصر ما بعد "30 يونيو".

في مصر رجال أعمال يعملون دون صخب ولم يتورطوا علنياً بعلاقات علنية مع نظام مبارك. اقتصر فريق مبارك على حفنة من الأسماء التي ارتبطت اسماؤها بالحزب الوطني الحاكم أو بالحكومات التي تعاقبت في عهد مبارك، أو بتلك التي نسجت علاقات شخصية متينة مع سوزان مبارك أو ولديها. بالمقابل فإن الغالبية العظمى من رجال الأعمال المصريين يسعون لإنجاح مشاريعهم بالاعتماد الطبيعي على الكفاءة وشروط السوق، وبالتعايش مع نظام فساد ينخرُ مؤسسات الدولة على نحو أضحى بنيوياً. فما يمكن تحقيقة في مصر من أرباح، على ما أسرّ لي أحد رجال الأعمال المصريين، أعلى بأضعاف مما يمكن أن يُحققَ في بلد كبريطانيا مثلاً، على حد قوله، ذلك أن التسهيلات الممكن حصول عليها من مؤسسات الدولة، كما التهرب الضريبي الفاضح، يوفّر أرباحاً عالية مضمونة الإيقاع.

يتعايشُ النظام السياسي الحالي في مصر مع رجال الأعمال ويعتبرهم رافداً اقتصادياً من روافد البلد. في الجدل المصري من ينتظر أن تقضي "ثورة يناير" على تلك الظاهرة ورموزها. تعرف تلك الأسماء الشهيرة أن حرثها لا ينبت، حتى الآن، في أرض النظام السياسي الجديد. بعض الخبثاء يعتقدون أن رجال الأعمال اطمأنوا إلى زوال دولة الإخوان، لكنهم لم يدركوا بعد مستقبل وظيفتهم ودورهم داخل النظام السياسي الراهن. وفي التعايش ما بين إعلام "البزنس" ومنابر السياسة، تنتعشُ خطبٌ وتروج سقطات وتُمررُ آراء قد لا تروق للنظام الحاكم، من ضمن لعبة غمز خفيف قد تحملُ في طياتها تلميحٌ بالذهاب إلى أكثر من التلميح.

في مصر جدل حول دور "البزنس" في التنمية. يدورُ النقاش حول الجانب الريعي لأنشطة المؤسسات الخاصة الباحثة عن الربح السريع، وعن عدم استفادة البلد من تراكم الثروة. تتحدثُ الألسن عن فعالية المؤسسة العسكرية في انتاج المشاريع، خصوصاً شقّ قناة السويس الجديدة، مثلاً، خلال فترة قياسية، مقابل غياب مؤسسات اقتصادية مدنية فاعلة مشاركة في التنمية. في الجدل لومٌ للنظام السياسي حول عجزه، أو عزوفه، عن إشراك ما هو مدني في ورش التنمية، كما لومُ قطاع الأعمال عن بعده عما هو تنمويٌّ لصالح ما هو حسابي محضّ.

في استقرار نظام ما بعد الإخوان ما أفقد فضائيات "البزنس" نجاعتها. وعليه بدأ القطاع يعاني من مظاهر أزمة سببها تراجع المال السياسي الخارجي، كما تمهلُ رجال الأعمال في الاستثمار بقطاع قد لا يأتيهم، من خلال النظام السياسي الحالي، بما يمنّون النفس به. في المشهد الإعلامي المصري خروج أسماء وانتقال أخرى وإقفال محطات ودمج أخريات، بما يعكس توتراً، يعكسُ خللاً، يعكسُ قلقاً يساور جماعات "البزنس" في البلد.

ينتظرُ رجال الأعمال ما سيقرره الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن مستقبله السياسي. لم يكن لرجال الأعمال حظوة خاصة في عهد الرئيسين عبد الناصر والسادات، كما لم تبرز هذه الظاهرة في العشر السنوات الأولى من عهد مبارك. إلا أن شروط البقاء في السلطة، لا سيما ضرورات تمويل الحزب الوطني الحاكم وتشكيل أركانٍ لمشروع التوريث لجمال مبارك جعل من الشراكة بين السلطة ورجال الاعمال أمراً حيويا الزاميا بنيويا.

لا يحتاجُ نظام الرئيس السيسي حتى الآن لخدمات "البزنس". الرجل ما زال في بداية عهده وتستندُ شرعيته على حراك مصري شعبي كبير (برز جلياً في "30 يونيو")، كما على انتخابات عامة أتت به رئيساً للبلاد. يحظى الرئيس بشعبية كبيرة رغم تعرّضها لتموّجات الظروف الداخلية، ولا يبدو أنه يحتاج إلى انشاء حزب سياسي أو مشروع سياسي شخصي قد يستدعي خدمات "البزنس". على ذلك يتعايش رجال الأعمال مع السيسية وقد ينتهون يوماً إلى التسليم بأفول زمن الجنّات التي كانوا يتمتعون بها، لكن أملهم ما زال معقوداً على نكسات ما قد يتعرضُ لها الرئيس، في الداخل كما في الخارج، بما يكفل لهم ضمان موقع منقذ يُدخلهم في منظومة "30 يونيو" بعد أن لفظتهم منظومة "25 يناير".

يتعاملُ نظام السيسي مع رجال الأعمال بصفتهم أمراً واقعاً يجب الإستفادة منه. يشبّه البعض أسلوب الرئيس في مقاربة الاقتصاد بأنه خلطة بين طهرانية عبد الناصر وواقعية السادات. وفي العلاقة الحالية ما بين الرئيس وأصحاب رؤوس الأموال "تانغو" سريالي لا يشي بعداء ولا يشبه الودّ. ومن يؤمن بالرئيس وبخطاه وخططه، كثيراً ما يتساءل: "متى يضرب السيسي رجال الأعمال"؟ لكن من يتابع شؤون مصر سرعان ما يكتشف أن أمام الرئيس كومة هائلة من الأولويات، بحيث يتراجع ملف رجال الأعمال ويؤجّل البت به إلى أجل يريح مزاج البزنسمان في البلد.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
المزيد

 
>>