First Published: 2015-09-01

أكثر من ضغينة ونميمة

 

أعمالنا مصائرنا، تمنحنا القيمة والكرامة، لكنها بحاجة إلى تفسير أعمق من أن العمل يجلب لنا المال أو يحقق لنا الطموحات، إنه أكثر من ذلك.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

ليست أجواء العمل في المكاتب تنافسا ونميمة وتزاحما وضغينة وهي أنشطة غبية وغير مثمرة دون شك، ثمة ما هو أكثر في التأثير من كل ذلك، ويبدو أننا لا نركز عليها لذلك تتفاقم أمراضنا. وعند انفجار قدر الضغط الداخلي نشعر بها ولا نتهم حينها إلا العمل وحده والإجهاد الذي سبب لنا المرض.

العمل المكتبي على المستوى الشخصي هو خبرة متراكمة وصبر وترويض للنفس والاحتفاظ بالكلام إلى أكبر قدر ممكن، وبمجرد فقدان السيطرة على هذه المواصفات سيدخل الموظف في جحيم ذاتي يمتد لهيبه إلى المنزل ولا يطفئه إلا ترك العمل، وهو في النهاية خيار غير محبذ.

ثمة محاورة مدهشة بين كاتبة اسمها لوسي كيلاو وبين نخبة من المتذمرين من العمل والشاكين منه، فسيدة تشعر بالاستياء من تذمر زملائها وسخريتهم مع إنها تقضي ساعات العمل كاملة بفعالية، إلا أن لوسي ترى أن الساعات ليست قياساً للإنتاج، إنها رمز للمكانة في التسلسلات الهرمية المسطّحة، وتتواصل في حوارات مكتوبة مع موظفين ومدراء وخبراء حول ساعات العمل وقيمة الإنتاج والكفاءة والرضا والخيبة والقلق في فلسفة اقتصادية لا تستثني ساعات العمل في المنزل.

لكن أين المشاعر الداخلية في كل تلك الحوارات؟ وهل مجرد الخروج من المكتب يحول دون استذكار ما حدث في يوم مرهق أو سعيد؟ هل بمقدور الموظف السيطرة على أحلامه ليلا إن تداخلت مع العمل؟ أليس من حقه حصر ساعات العمل في العمل نفسه ليجد مساحة مختلفة كليا لأوقاته الأخرى؟

الأمر ملتبس وخارج على السيطرة مع حزمة من هذه الأسئلة، فالموظف في بريطانيا، وقد تبدو صورة مثالية مترفة وبطرة للقارئ والموظف العربي معا.

يبدو أنيقا يحمل حقيبته صباح كل يوم ويتحاور بود مع الآخرين، جادا في عمله وقد يقضي بعض الوقت في نهاية ساعات العمل مع بعض الزملاء في المقهى.

ليست لديه مشاكل مزعجة في وسائل النقل وفي الخدمات العامة الأخرى. لكن مشكلته المخيفة التي لا تبدو محسوسة للآخرين، تكمن في الشعور المتصاعد في داخله بأنه “عبد منصاع” للعمل من أجل دفع القرض العقاري الشهري لمنزله.

علاقة الموظف بعمله لا تظهرها المسلسلات التلفزيونية والأفلام، إنها صراع داخلي قد يكون بغيضا يتحول إلى جحيم، أو هادئا لكنه ليس كذلك على الأغلب.

أعمالنا مصائرنا، تمنحنا القيمة والكرامة، لكنها بحاجة إلى تفسير أعمق من أن العمل يجلب لنا المال أو يحقق لنا الطموحات، إنه أكثر من ذلك، و ياللألم.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
المزيد

 
>>