First Published: 2015-09-03

في مصر..الحكاية أكبر من مريم

 

القضية خطيرة، لأنها كانت دليلاً جديداً على فقدان الثقة في أجهزة الدولة: أزمة جديدة تعكس الهوة بين المجتمع والدولة في مصر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

سواء أسدل الستار على مسرحية الطالبة مريم التي رسبت في امتحان الثانوية العامة، بعد ثبوت كذبها، أو أصر المؤلفون على استمرار عرض فصول أخرى، وإدخال تعديلات جديدة على السيناريو والحوار، ففي كل الأحوال هناك مجموعة مهمة من الحقائق كشفتها هذه المهزلة، وأكدت أن هناك قطاعا كبيرا في مصر، من المواطنين والمسئولين والسياسيين والإعلاميين، فقد صوابه تماما، واندفع وراء مزايدات رخيصة، جريا وراء أهداف خبيثة.

لم يراع المنتمون إلى هذا القطاع، حرمات الوطن الأساسية، ولا طبيعة المرحلة السياسية، وتعمد بعضهم الصعود إلى الهاوية، بسبب الخسة والجهل المطبق، والسعي وراء المصالح الشخصية، وتجاهلوا حجم الجريمة التي ارتكبوها، بفعل الانجرار وراء طالبة محبطة أو مريضة، وجدت ضالتها في أضواء الإعلام التي سلطت عليها، كأنها تبحث عن غنيمة، ولم يتمعنوا في سيول التصريحات التي صدرت عن الطالبة وفريقها، وما بها من تناقضات، كما أنهم تجنبوا الإنصات لصوت القانون، حتى عندما ثبت عدم صحة الادعاءات التي ساقتها الطالبة، وعندما أكدت الوقائع صواب موقف وزارة التعليم، تعمدوا الالتفاف عليها، وحشروا القضية بين شقي، طالبة بريئة ومظلومة، ووزارة عاجزة ومفترية.

القضية خطيرة في مصر، لأنها كانت دليلا جديدا على فقدان الثقة في أجهزة الدولة، فمع أن وزارة التربية والتعليم استخدمت الوسائل القانونية والعلمية، وتصرفت بحكمة تحسد عليها، واستجابت للابتزاز أحيانا، غير أنها لا زالت متهمة في نظر كثيرين، ومع أن الطالبة ومن لف لفها تصرفوا بحماقة كبيرة، إلا أن هناك جمهورا لا زال متشبثا بتصديق ما تفوهوا به من اتهامات وافتراءات، ومصرا على رفض التوقف عند أكوام الأكاذيب، والبحث عن حيل لتجاوز الأدلة والوثائق والأسانيد.

هي أزمة تعكس الهوة بين المجتمع والدولة في مصر، فقد تمكنت الفتاة من أن تتحول إلى حالة تشغل الناس، وتجذب التعاطف إليها، وتكسب ود الكبير والصغير، لدرجة أعمت الجميع عن رؤية الشمس ساطعة، وكأن العقل الجمعي يرفض تصديق كل ما يخرج عن الحكومة، والتي بدلا من أن تقف وراء أحد وزرائها، استخدمت كمخلب قط للنيل منه، عندما تم تزوير خطاب باسمها، يفيد بقبول استقالة وزير التعليم، واستقبل المهندس إبراهيم محلب رئيس الحكومة الطالبة وشقيقها ومحاميها، بعد وقت قصير من عقد الدكتور محب الرافعي وزير التعليم مؤتمرا صحفيا كشف فيه الحقيقة عارية.

مهما كانت الكلمات التي قالها رئيس الحكومة في الغرفة المغلقة عليه وأسرة الفتاة، فقد منحهم نافذة أمل، ومنح المسرحية دماء جديدة، حيث جرى تسويق اللقاء، على أنه اعتراف ضمني من الدولة بخطئها وكفاءة الطالبة، عزز حجة الأخيرة في أنها تعرضت لظلم، وصل لحد تسويقه، باعتباره استهداف ديني، وعندما تلجأ أسرة الفتاة لمحام مسيحي، وتتلقى رسائل دعم وتأييد من مواطنين، في الداخل والخارج، على أساس طائفي، يمكن القول أن هناك من يقف بالمرصاد لكي تأخذ القضية هذا الاتجاه البغيض، في وقت بدأت اللحمة بين المصريين تعود إلى سيرتها الأولى، إذا استثنينا المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين.

في هذه القضية، قدمت بعض وسائل الإعلام المصرية واحدا من أسوأ عروضها، وبدت كأنها تبحث عن كرباج تلسع به الحكومة، التي تتعرض لانتقادات مستمرة، وظهر عدد من مقدمي البرامج في صورة عشماوي الذي يريد سرعة تنفيذ حكم الإعدام في الضحية، ليستعد للضحية التالية، فمهنته تفرض تنفيذ الأوامر بلا حوار، لأن النقاش يمكن أن يؤثر فيه ويردعه، على الأقل لأسباب إنسانية، لهذا لم يتمهل عدد كبير من الزملاء الإعلاميين، ويمنحوا أنفسهم ومعدو برامجهم فرصة للتروي، والتمحيص في الرواية التي قدمتها وزارة التعليم، ومقارنتها بالروايات الساذجة التي حكتها الفتاة والمتعاطفون معها، فقد كان صوتهم وسوطهم وضيوفهم بانتظار الضحية التالية.

لذلك تحركت مشاعرهم في اتجاه الطالبة، ولم تنبض قلوبهم بالحق نحو وزارة التعليم، وكان الإصرار واضحا لاستكمال مسلسل "الضحية والجلاد"، فهذا محام يهدد بتدويل قضية مريم، وذاك مواطن يصرخ بأنها تنطوي على "اضطهاد ديني"، ثم جاء ممثل كوميدي من بعيد يعلن على الملأ تكفله بتعليمها في أعرق الجامعات، في حين هناك ألف ألف مصري أحق من مريم، وهكذا دخلت مريم بورصة المزايدات من أوسع أبوابها، دون أن يدرك هؤلاء أن هناك 38 حالة ادعاء تبديل أوراق إجابات في العام الحالي فقط، ومثلها تقريبا العام الماضي، ولم يتحرك أحد للوقوف إلى جوارهم.

وقد أثبت الزميل أحمد حافظ على موقع بوابة الأهرام، أنه منذ تسعة أعوام لم تضبط وزارة التعليم بجريمة من هذا النوع، وكل الحالات التي تم التحقيق فيها كانت الوزارة هي الضحية.

في اعتقادي أن وزارة التربية والتعليم من الضروري أن تسرع بوضع عقوبات صارمة لمنع تكرار هذه المسرحية البليدة، لأن التأييد الزائف الذي حصلت عليه مريم، كفيل بتشجيع عشرات آخرين، كما أن الغطاء الإعلامي الذي توافر لها، عن قصد أو بدونه، يمكن أن يفتح الباب أمام ظهور أكثر من مريم على الفضائيات في مجالات مختلفة خلال الفترة المقبلة، طالما لا توجد ضوابط رادعة، لأمثالها ولكل من تطوع بالدفاع عنها بالباطل.

المثير أن التركيز على هذه القضية، جاء على حساب قضايا، محلية وخارجية، أشد أهمية، لو أخذ بعضها ربع المساحة الزمنية التي احتكرتها مريم في عدد من الصحف والقنوات التليفزيونية، كان أكثر نفعا وجدوى للدولة، لكن يبدو هناك من يريد استمرار تسطيح المجتمع، وقطع الطريق على المحاولات الجارية للإصلاح، وترسيخ الانطباعات السلبية عن الجهاز الإداري للدولة بأنه "مفيش فايدة"، وأن "المحسوبية مستمرة"، و"الفساد ينخر في مؤسسات الدولة للأبد"، إلى آخر العبارات الرنانة التي يضمها القاموس المعروف، الذي يحرض على الإحباط، ويحض على الاستسلام، إذ يوجد بيننا فريق من أصحاب المصالح والمحبطين يسعى إلى إبقاء مصر داخل هذه الحلقة الجهنمية.

 

محمد أبو الفضل

الاسم يوسف عمر
الدولة ليبيا

مصر مشكلتها كبيرة جدا. شعبها يعاني من تضخم الذات .. لذلك لن تتطور مصر بفعل اوهام العلم والمعرفه الكاذبه التي يتصورون وجودها... مصر في الحضيض علميا وثقافيا ... ولا تعترف انها دوله لا تملك. علما ومعرفه كما تظن... ويستمر الجهل

2015-09-06

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>