First Published: 2015-09-05

الحق في اللجوء بعد الحق إلى العنف

 

كان عنف الدولة القمعية يحول دون ظهور عنف المجتمع. اما حين سقطت تلك الدولة وغاب عنفها فقد ظهر المجتمع على حقيقته، حيواناً مفترساً.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

عبر عقود من الزمن، مارست انظمة عربية فيها العنف المباشر وغير المبرر في حق مواطني الدول التي تحكمها، كان من الطبيعي أن يتحول العنف إلى ثقافة شعبية، ظلت إلى ما قبل سنوات تتحكم في قياس المسافة التي تقع مابين المواطن المؤجل وبين تطلعاته في استعادة حقوقه بطرق غير قانونية.

المواطن الذي رضي أن يفقد مواطنته لحساب احزاب ومؤسسات قمعية ظل فؤاده يخفق بحبها والشغف بمفردات قسوتها هو نفسه الذي صار يلعن تلك الاحزاب والمؤسسات بعد أن انتهى زمان سلطانها جاعلا منها ذريعة لتسلق السلم وصولا إلى المكان الآمن الذي يجعله في منأى عن الشعور بالمسؤولية عما شهدته الحقبة السابقة من ضياع للقيم الإنسانية.

يضع ذلك الشخص الذي يأس من موضوع مواطنته فقرر أن يضع كل أوراقه المستقبلية في سلة اللجوء ماضيه العام على طاولة التشريح، مستبعدا كل ما يشير إلى ماضيه الشخصي. فكل ما شهده من وقائع لم تكن له يد فيه. فهو من وجهة نظره لم يكن سوى ضحية وفي أحسن الاحوال كان شاهدا.

ولو عدنا إلى ماضينا القريب لرأينا الملايين وهي تشارك في مسيرات كان الغرض منها إعلان طاعة الشعوب وولائها بل وتأييدها لكل اجراءات النظام السياسي التي غالبا ما كانت تتسم بالعنف.

فهل كانت تلك الملايين مجبرة على أن تقوم بما قامت به، بحيث يحق لها في ما بعد أن تلقي بتبعة كل ذلك العنف على النظام وحده أم أنها كانت غائبة عن الوعي وصحت فجأة على مصيرها الذي دُمر بالكامل، من قبل معبوديها السابقين؟

هناك مَن يقول إن عنف الدولة القمعية كان يحول دون ظهور عنف المجتمع. اما حين سقطت تلك الدولة وغاب عنفها فقد ظهر المجتمع على حقيقته، حيواناً مفترساً.

المثال الابرز على صحة تلك النظرية يجد في ما تشهده ليبيا ومنذ سقوط جماهيرية الاخ العقيد مرتعاً نموذجيا له.

ولكن ألم تكن للشعب مساهمة في العنف الذي مارسه نظام القذافي؟

السؤال يصح أيضاً على بلدان عربية أخرى، كانت قد شهدت عنفاً أقل أو أكثر من ذلك العنف الذي شهدته ليبيا.

لقد تورطت شعوب تلك البلدان في صناعة وتبني مفردات ثقافة العنف أو تم توريطها. لا فرق ما دامت النتيجة واحدة. اما حين وصل العنف إلى طريق مسدودة، وهي حاله دائما، فإن مَن استطاع أن ينجو بنفسه بعيدا عن الطوفان صار يمهر أوراق لجوئه بتوقيع الضحية التي كانت تتلقى الضربات بسلبية كاملة.

أعتقد أن سيرة العنف في العالم العربي في حاجة إلى الكثير من الدرس والفحص والمراجعة انطلاقا من الحقيقة التي تؤكد مسؤولية الجميع بمستويات مختلفة عن نسق الحياة التي ار فيها العنف مقبولا، لكن بدرجات معينة.

أتذكر أن الشيوعيين في العراق كانوا يدورون في شوارع بغداد عام 1959 حاملين الحبال وهم يحثون الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم على منحهم الفرصة لشنق وسحل أعداء الثورة. اما حين استولى البعثيون على السلطة عام 1963 وبطشوا بمنافسيهم اكتفى الشيوعيون بالقبول بتمثيل دور الضحية من غير أن يعرضوا تاريخهم في العنف للمساءلة.

إن من اليسير حين يتعلق الامر بأنظمة عرفت بميلها إلى العنف أن يتم تحميلها كامل المسؤولية، ذلك لأن سيرة تلك الأنظمة تتحمل الكثير من الاضافات التي لا تقدم شيئاً جديداً، غيرأن فعلاً من هذا النوع هو من وجهة نظري انما يشكل خيانة للحقيقة وللتاريخ معاً. ناهيك عن أضراره على مستوى عدم استيعاب الدرس.

لذلك لا يزال الحق في العنف ساري المفعول بين مواطني دول وجدوا في حق اللجوء ذريعة للتخلي عن ماضيهم الذي صاروا ينظفونه بسوائل صُنعت من أجل أن يكون الكذب ممكنا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
عشرة أعوام من الفشل
2017-10-04
بناة العراق المؤقت
2017-10-03
المزيد

 
>>