First Published: 2015-09-06

قوارب اللاجئين المثقوبة سياسيا

 

قدر المنكوبين السيء أن يكون وطنهم البديل عبارة عن مقبرة بحرية، ما من أثر لها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

فجأة يكتشف المرء أن حياته كلها تقع على قارب من مطاط. كل شيء بات رهين مادة قابلة للانفجار في أية لحظة. ثقب صغير سيكون أشبه بثقب كوني أسود. لا عودة من بعده. ولكن ذلك القارب يصل في كل الاحوال. اما إلى اليابسة أو إلى أعماق البحر، هناك حيث يبدأ كل شيء من جديد. غير أن المجهول يظل سيد لحظة قد تطول.

قد تستغرق تلك اللحظة الغامضة حياة بأكملها فيكون مصير المرء التيه والضياع وقد تلتهمها بعصف مفاجئ فتبدو تلك الحياة كما لو أنها لم تكن. كما لو أن أحدا لم يعشها. وهكذا يكون المرء الذي يقدم على مغامرة الهروب وسط الليل بقارب مطاطي هو أشبه بمَن يسلم حياته لقوة مجهولة. قوة تحييه وتميته في الوقت نفسه.

وإذا ما كانت فكرة اللجوء في حد ذاتها تنطوي على الكثير من عناصر التسليم بالقدر، فإن استسلام المرء لشروط اللعبة التي تديرها عصابات التهريب يعني فقدان المرء كليا لإرادته بكل ما ينطوي عليه ذلك الفقدان من تغييب للكرامة الإنسانية. ففي سياق تلك اللعبة يصبح الإنسان بضاعة قابلة للتصدير والشحن وصولا إلى الإتلاف.

وهو ما وقع غير مرة. فحين يشعر المهربون أن خفر السواحل يطاردهم فإنهم غالبا ما يلجأون إلى التخلص من زبنائهم عن طريق القائهم في البحر. في أحسن الاحوال كان المهربون يرمون حمولتهم في جزيرة غير مسكونة، تكون بمثابة قبر لمنحوسي الحظ الذين صدقوا أن المجهول سيكون أكثر رحمة من المعلوم.

ومن هنا كانت تسمية "قوارب الموت" هي الاكثر دقة في الوصف.

في كل مرة يغرق فيها قارب ليستقبل البحر عشرات، مئات الأجساد التي سلمت مصيرها لأمواجه، متخلية عن ارادتها في صنع حياة أفضل في المكان الذي لم يعد صالحا للعيش. ذلك المكان هو الوطن. ولكن شاء قدرها السيء أن يكون وطنها البديل عبارة عن مقبرة بحرية، ما من أثر لها، في كل مرة يثقب النحس فيها قاربا أو تقلب الامواج فيها مركبا تائها يكتشف العالم المنسي والمهمل من رقته، فتحتفي وسائل الاعلام بصور القلة المحظوظة التي لم تذهب جثثها إلى المقبرة البحرية.

بعد محاولته الإقامة في أحد بلدان اللجوء يقيم الحالم بالحرية في صورة تقيد حريته إلى الأبد. فهو الميت الذي تبقيه الدعاية حيا، لا من أجل أن تعطينا صورة مجانية عما ينتظرنا، بل لكي تطبع إنسانيتنا الناقصة على القبول بالموت، بحثا عن خيارات أفضل يمكنننا الوصول إليها، لكن ليس من خلال قوارب المطاط.

لقد حرمت البشرية الرق، جرمت البغاء في حربها ضد عمليات الاتجار بالبشر، غير انها لم تكن جادة في في محاربة تهريب البشر، وهي تجارة تنافس الرق والبغاء من جهة استعمالها الإنسان وسيلة للربح غير المشروع.

هل كان استقبال اللاجئين من قبل عدد محدود من دول العالم تجسيدا لشعور تلك الدول بالذنب، أم أن ذلك السلوك غالبا ما كان ينطوي على مخططات سياسية؟

ما يجري الآن للسوريين من عمليات تجميع في بلدان اللجوء يذكر بما جرى للعراقيين في تسعينات القرن العشرين وهي واحدة من الخطوات المهمة التي مهدت للغزو الاميركي عام 2003. قيل يومها أن هناك أربعة ملايين لاجئ عراقي يقف النظام الحاكم في بغداد حائلا بينهم وبين العودة إلى بلادهم.

وقع الغزو الاميركي الذي افضى إلى الاحتلال الذي دمر كل وسائل العيش الكريم ولم يعد إلى العراق من الملايين الاربعة إلا مَن رضيت نفسه الضعيفة بالتواطئ مع المحتل وتنفيذ مشروعه.

الآن يتكرر الفيلم نفسه مع السوريين والهدف نفسه.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
المزيد

 
>>