First Published: 2015-09-06

لوران وغراسييه: القليل من الحقيقة وحشد من الافتراءات

 

لوران وغراسييه انتهكا منظومة القيم التي أرستها الصحافة الفرنسية والغربية على مدار سنوات، لكن الإعلام الفرنسي تعامل مع القضية في الهامش ولم يضعها في متنه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لا يسقط الصحفي كالسقوط المريع الذي وقع فيه الصحفيان الفرنسيان إيريك لوران وكاثرين غراسييه، إلا عندما يبيع المادة المشبوهة، أو يكتب من أجل المداهنة ويروج لمعلومات غير مقتنع بها تضر بمصداقية الصحافة الاستقصائية.

فقد ضُبط الصحفيان لوران وغراسييه في محاولة ابتزاز، عبر اشتراط الحصول على ثلاثة ملايين يورو مقابل الامتناع عن نشر كتاب عن العاهل المغربي الملك محمد السادس.

ويبدو أن لوران المنهار اليوم وزميلته غراسييه التي تجتاحها نوبة بكاء على ضعفها، قد أقدما فعلا على بيع مادة مشبوهة حاولت استغلال ضعف العقل النقدي العربي عبر القليل من الحقيقة المغطاة بحشد من الافتراءات، وهما في ذلك قد تصرفا خارج وعي التاريخ مع المغرب كبلد أحدث قطيعة مع الماضي.

أو كما وصف إيريك دوبون موريتي محامي المغرب في القضية المتصاعدة منذ أسبوع، محاولة الصحفي الفرنسي ممارسة ابتزاز مباشر تجاه رئيس دولة وهو أمر غير مسبوق، وجرأة حمقاء.

وقال “توقيع الصحفيين على إدانتهما وعلى ابتزازهما هذا أمر لا يليق بمن يدعي أنه صحفي، بل يليق فقط بأولاد الشارع”.

وبتعبير الإذاعي المغربي مصطفى الهردة بأن إيريك لوران وكاثرين غراسييه قد فتحا شركة أغلقت قبل أن تفتح.

ثمة درس ودلالة من سلوك الصحفيين وتسويغهما لما أقدما عليه، يجعل الصحفي -أي صحفي- يعيد قراءة تاريخ قيم المهنة، ويتساءل بعمق عما إذا كان إغراء المال كافيا لإعطاء تنازلات مريعة في القيم.

فتبرير لوران لا يكفي إن لم يكن إدانة لسلوكه، عندما برر قبوله للعرض بالظروف الشخصية التي يعيشها، ومعاناته مع مرض زوجته بالسرطان.

فيما انهارت الصحفية كاثرين غراسييه باكية أثناء حوار معها، مشيرة إلى أن الضعف أمام المال هو شعور إنساني، وأنها قبلت العرض لأن المبلغ هو 3 ملايين يورو!

واعترفت أنها ضعفت مقابل إغراء المال، وأنها كانت ترغب في حياة أفضل بعد سنوات من التحقيق في مواضيع مغاربية.

ليس من الأهمية بمكان في وقت تنتهك فيه منظومة القيم الصحفية مناقشة مضمون الكتاب، حتى بعد إلغاء دار النشر الفرنسية “Le Seuil” العقد بين الجانبين ورفض نشر الكتاب، الأهمية تكمن في الشرخ العميق الذي مس المنظومة الصحفية الفرنسية برمتها، وكم يحتاج الصحفيون من الرجال والنساء من العمل لإعادة ترميم ما مزق من قبل اسمين كانا يمتلكان من الأهمية والتأثير حتى سقوطهما المريع بتفضيل مصالحهما الضيقة والخاصة.

المثير في الأمر أن الإعلام الفرنسي لم يول مثل هذا الفعل الابتزازي أهمية تتناسب مع تأثيره، بعد أن تعرضت مسافة أخلاقية بين الجمهور والصحافة إلى المس وأثارت الاشمئزاز.

لوران وغراسييه انتهكا منظومة القيم التي أرستها الصحافة الفرنسية والغربية على مدار سنوات، لكن الإعلام الفرنسي تعامل مع القضية في الهامش ولم يضعها في متنه، ولو حدث مثل هذا الأمر مع أي طرف فرنسي آخر وليس مغربيا أو عربيا، لعلق الصحفيين على أعواد مشانق النقد والتفكيك.

لكن الذي عول عليه لوران باستغلال ضعف العقل النقدي العربي، ما زال قائما في مفاهيم الصحافة الفرنسية وهي لا تضع مثل هذه القضية في أولوياتها، مع أن المس كان لقيمها الصحفية ولم يقتصر على سلوك فردي لصحفيين من منظومتها.

لقد انكسر النمط الصحفي الذي كان يخدم المصالح الخاصة ورجال السياسة والنخب الاقتصادية المؤثرة، بوجود المواطن الصحفي، فإذا كانت منظومة القيم التي أرسيت عبر قرون قد انتهكت في الصحافة الفرنسية، فهل بقي لها مساحة نقد للتهكم على الصحافة العربية التي لم ترس منظومة قيم بالأصل؟

ألا يصبح بعدها السؤال مشروعا عما إذا كانت دوافع الصحافة محقة في بلداننا العربية، فإذا كانت الصحافة الفرنسية وهي على ذلك المستوى صارت لا تخدم إلا فئة صغيرة من المستفيدين، فكيف بحال صحافتنا التي تتبع بأغلبها الحكومات.

الصحافة الفرنسية بحاجة إلى وضع قضية لوران وغراسييه في مكانها الحقيقي ودراسة تأثيرها وتداعياتها كي لا تكون مؤسسة دعاية فاشلة، بالمقارنة مع القال والقيل عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>