First Published: 2015-09-08

سيناء: أصل الحكاية!

 

ليست حكاية سيناء إلا محصلة للحمة اجتماعية متصدّعة، وتناقضات الهوية والانتماء، والإرهاب العابر للحدود.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لم تعرف سيناء عمليات عنف تُذكر في العقود الأخيرة (إلا تلك التي قام بها سليمان خاطر في سبتمبر من عام 1985 حين قام باطلاق النار على سائحين إسرائيليين على الحدود). لكن، ومنذ تفجير منتجعين سياحيين في طابا في أكتوبر 2004، بات واضحاً أن خلايا جهادية تنشطُ في المنطقة، بعد أن كان الشأنُ الأمني قبل ذلك مقتصراً على التعامل مع عصابات التهريب، لا سيما تلك التي كانت تنشطُ أعمالها من خلال أنفاق التهريب من وإلى غزة.

وفي ما بات معروفاً، لم تكن تلك الأنفاقُ سرية بالنسبة للسلطات المصرية، بل إن المخابرات المصرية، بقيادة اللواء الراحل عمر سليمان آنذاك، كانت تغضُّ الطرفَ عن هذه الأنشطة بين منطقتين بقيتا على تواصل اجتماعي منذ أن كان القطاع يخضعُ للإدارة المصرية (قبل حرب 67)، لما تعود به من وفرة لشريحة من أهل سيناء من جهة، ولمساهمة القاهرة الغير المباشرة في دعم الفلسطينيين داخل قطاع غزة من جهة ثانية، من خلال ما توفّره تلك الأنفاق من احتياجات معيشية وتسليحية. كانت تل أبيب تعرف ذلك، فيما كانت القاهرة تتعللُ بأنها أنشطة غير شرعية تجري ملاحقتها.

إثر عمليات تفجير طابا قامت سلطات الأمن المصرية باعتقال 4 آلاف شخص من سيناء، بينهم نساء، في السعي للبحث عن الفاعلين الحقيقيين. توصلت السلطات لاحقاً إلى من إرتكب، وهم أربعة أشخاص فقط (يقودهم طبيب أسنان)، ينتمون إلى ما يعرف بـ "كتائب التوحيد الإسلامية"، وأفرجت بعدها تباعاً عن الآلاف الأربعة من المعتقلين.

تحدثت التقارير عندها عن حالات تعذيب وتنكيل وهدر كرامات تعرّض لها الشبان المعتقلون، فيما أشارت أنباءٌ عن تجاوزات ضد النساء المعتقلات إعتبره الأهالي هتكاً لأعراضهم. وفي تقاليد أهل سينا، المتوزعين بين بدوٍّ وحضر، أعرافٌ تعتبر دخول البيوت دون استئذان هدراً للكرامات، واعتقال البنات والأمهات والزوجات هتكاً للأعراض. حصلت تلك التجاوزات رغم معرفة السلطاتُ المصرية معنى هذه الأعراف وحساسيتها، فكان أن تنامت مشاعرُ الثأر من الدولة وتعاظمت حالة الاحتقان بين الأهالي والسلطات. من الأهالي من غادر سيناء باتجاه محافظات أخرى، ومنهم من هاجر نحو بلاد أخرى، ومنهم من التحق بالجماعات السرية توقاً لثأر قادم.

يروي الدكتور صلاح سلّام، وهو نقيب الأطباء في منطقة شمال سيناء وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، أن المنطقة التي يروج فيها الإرهاب تقعُ بين العريش ورفح على مساحة 1600 كلم مربع فقط من أصل 61 ألف كيلومتر هي مساحة سيناء، وأن الحديث عن إرهاب في سيناء يغفلُ محدودية المساحة المشتعلة والتي لا تتجاوز 2 بالمئة فقط من المساحة الإجمالية للمنطقة. وحين يُسأل عن سبب عجز السلطات، بما تملكه من امكانيات عسكرية ولوجستية، عن القضاء على الإرهاب في تلك المنطقة المحدودة المساحة، يجيب: "هو خطأ في التشخيص يؤدي إلى خطأ في المعالجة".

أتاحت الفوضى التي نتجت عن "25 يونيو" تحويل المنطقة إلى ميدان يتجمعُ فيه الهاربون من وجه العدالة وفق أحكام غيابية (602 حكم) وجماعات فلسطينية وجماعات السلفية الجهادية وعناصر متطرفة قادمة من المحافظات المصرية وأخرى قادمة من شتى أصقاع العالم. وأتاح التسليح القادم من قطاع غزة، من خلال الأنفاق، ومن الحدود الليبية، ومن السودان، من خلال البحر الأحمر، تحويلَ المنطقة إلى بركانٍ مشتعل مهدِّدٍ للدولة.

إثر مقتل 16 عسكريا مصرياً (أغسطس 2012) في عهد الرئيس محمد مرسي، قامت القوات المسلحة بشن عملية "نسر واحد" لتطهير سيناء من الإرهاب، إلا أن القيادة السياسية التي كان يسيطرُ عليها الاخوان المسلمون آثرت انتهاج خيار التفاوض مع الجهاديين، وأقيل بعدها المشير الطنطاوي فتوقفت العمليات. وحين شنّ الجيش لاحقاً عملية "النسر 2" أجهضت هذه العمليات استجابة لضغوط مارستها بعض القيادات الإخوانية التي طالبت بالتفاوض.

تختصرُ جهات إعلامية مشكلة سيناء وتُعلّقها على مشجب حركة حماس، ما يتحوّل إلى حملات عنصرية تشهدها بعض الشاشات، من قِبل بعض الإعلاميين، يستهدفُ كل الفلسطينيين. ترفض جهات قريبة من الدولة المصرية هذه الاتهامات وتدين ذلك السلوك الإعلامي الشعبوي الذي لا يليق بمصر. يقول د.سلّام إنها اتهامات لامنطقية، ذلك أن لتنظيم "أنصار بيت المقدس" في سيناء، حسب سلّام، امتداداً داخل غزة اصطدمت به حركة حماس، وقامت بهدم مسجد إبن تيمية التي كانت هذه الجماعة تتحصن داخله. يؤكد سلّام عن تواطؤ جهات فلسطينية، قد تكون تابعة لجهات في كتائب القسام متحالفة مع الاخوان المسلمين في مصر، لكن لا يمكن حصر مشكلة الإرهاب بتلك العناصر، لا سيما أن 97 بالمئة ممن تم القبض عليهم في سيناء بتهم إرهاب هم مواطنون مصريون قدموا من محافظات مصرية.

لا يستبعد الدكتور سلّام، كما لا تستبعدُ جهات مصرية أخرى تورط جهاز الموساد الإسرائيلي في ذلك العبث الإرهابي في سيناء، ذلك أن إسرائيل هي المستفيدة من فوضى سيناء، كما فوضى المنطقة العربية برمتها. ولئن يستندُ اتهام الموساد على حدس سياسي أكثر مما هو حسيّ يرفده الدليل، إلا أنه يجب التذكير أن الحدود المصرية مع قطاع غزة تمتد على 14 كلم فقط، فيما يبلغُ طول الحدود مع إسرائيل 200 كلم.

تدركُ القاهرة جسارة الوضع في سيناء وتحاولُ مقاربة المعضلة بشقّ أمني حازم، تتحدثُ عنه عمليات الجيش المصري، وبشقّ سياسي، يظهر في تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي في توجُّهه إلى "أهلنا في سيناء". لكن أصواتاً مصرية تطالب بمداخل جذرية حقيقة تقاربُ المسألة بشكل شامل يُضعف نهائيا البيئة الحاضنة للارهاب في سيناء.

تتحدثُ التقارير عن أن غياب برامج تنموية عن سيناء من قبل الحكومات التي تعاقبت في العقود الأخيرة، عظّم من أعداد العاطلين عن العمل، فيما الإغلاق الحالي شبة الكليّ للأنفاق التي كانت السلطات قد تسامحت سابقا مع وجودها رمى إلى سوق العمل بعشرين ألفاً من العاطلين. يسأل سلّام، الطبيب السيناوي العارف بشؤون سيناء: "ماذا تنتظرون أن يفعل هؤلاء العاطلون عن العمل؟".

تنتظرُ سيناء كثيراً من مشروع حفر 7 أنفاق تحت قناة السويس، وهو ما يعتبر من المشروعات العملاقة في مصر (بكلفة 2.4 مليار دولار) والتي ستعود بالكثير على أهالي المنطقة. وتنتظرُ سيناء كثيراً من تحوّل "أفكار الرئيس" إلى حقائق واقعة، يحكى أن أداء حكوميا بيروقراطيا يؤخرها، ذلك أن إطاراً تنموياً ناجعاً يسحبُ البساط من تحت أرجل الجماعات ويفكك عنها البيئة الحاضنة.

لكن "التشخيص الصحيح"، وفق تعبير د.صلاح سلّام، لا يغفلُ أن ظاهرة الإرهاب ليست محليةّ، وقد لا تقضي عليها إجراءات محلية، ذلك أن الإرهاب عابر للحدود، لا سيما الحدود المصرية التي بدا أن العولمة قد جعلتها قابلة للاختراق، وفق ما يراه د.أحمد درّاج، وهو أكاديميّ وقيادي في تشكيلات التغيير بداية من "كفاية" سابقاً انتهاء بـ "مبادرة الاصطفاف الوطني" حالياً. يدقُّ الرجل ناقوس خطر مجتمعي، ويتحدثُ عن خطر تفكك اللحمة الداخلية ببن المكوّنات المصرية داعياً إلى عقد إجتماعي جديد ينقذُ مصر ويعيدُ تأهيلها.

في ذلك تأخذ حكاية سيناء بعداً آخر كونها أعراض لحمة اجتماعية متصدّعة، تختلط داخلها تناقضات الهوية والانتماء، وكونها تأخذ بعداً يتعلق بالشؤون الاستراتيجية الدولية، كما بالجهد الدولي العام لمكافحة الإرهاب في كل مواطنه. والبعد الأخير يتصل بسياسة مصر الخارجية أيضاً التي تعاني من رمادية ووهن من الصعب قراءة ملامحها. ولهذا نقاش آخر.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>