First Published: 2015-09-08

هل ستُحيي ألمانيا ضمائرنا الميتة؟

 

مشهد جثة الطفل السوري الملقاة على أحد الشواطئ في تركيا، ويداه ممدودتان على الرمل يلخص الوضع المأساوي الذي يعيشه السوريون في مخيمات اللاجئين في البلدان العربية والإسلامية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عيد الظفيري

ما أبشع الحياة حينما يجد المرء نفسه مشرداً بلا مأوى، بحيث تجبره ظروفه القاسية على أن يعيش على هامش الوجود البشري، بعدما كان يرفل في نعمة الأمن والاستقرار بمدينته وقريته، ثم فجأة يفقد كل ذلك دفعة واحدة ويصبح على حافة الموت، والذل والقهر يحيطان به من كل الاتجاهات لدرجة أنه لا يتردد في ركوب أهوال البحر لعل وعسى أن يستعيد كرامته وآدميته اللتين فقدهما في مخيمات اللاجئين، وإلا فالموت في عرض البحر سيكون أحب إليه من الهوان والبؤس اللذين يحاصرانه منذ أن غادر منزله وقريته بحثاً عن النجاة.

وفي ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب السوري الشقيق بودي أن أطرح سؤالاً جوهرياً يلخص معاناة السوريين منذ اندلاع الثورة وإلى الآن، والسؤال هو: ماذا قدم العرب لأشقائهم السوريين في محنتهم القاسية؟

السؤال قد يكون مربكاً وغريباً نوعاً ما بالنسبة لبعضنا، ممن تستهويهم الخطب الحماسية والشعارات الفارغة، لذا سأتطوع للإجابة عن هذا السؤال الواضح جداً وسأحاول قدر المستطاع الابتعاد عن الديباجات الطويلة كي لا أشتت ذهن القارئ في تفاصيل يستخدمها بعضهم بهدف صرف الأنظار والأذهان عن الحقيقة المؤلمة.

أولاً دعونا نقر بأن التعاطف مع الآخرين في مأساتهم ومصائبهم شعور فطري لا علاقة له بالدين ولا العرق ولا الانتماء، إنما هو دليل على سلامة فطرة الإنسان الذي يشعر بآلام الآخرين بغض النظر عن أجناسهم ودياناتهم، فهو ينظر إليهم من الجانب الإنساني الذي يجمعه بهم حتى لو اختلف معهم عقائدياً وفكرياً وعرقياً، وهذا بالضبط ما يجعل الأسوياء (فطرياً) في الشرق والغرب يشاطرون الشعب السوري مشاعر الحزن والأسى منذ بداية أزمته الوجودية.

وسأدخل الآن في صلب الإجابة عن السؤال أعلاه، وسأقول إن كل ما قام به العرب من أجل أشقائهم السوريين لا يتعدى عقد المؤتمرات والاجتماعات في العواصم العربية والغربية من أجل إيقاف المجازر البشعة التي يرتكبها النظام الدموي، أما مسألة الدعم اللوجستي للثوار فهي وإن كانت تعبر عن التضامن والتأييد لحق الشعب السوري في إسقاط النظام المستبد الجائر إلا أنها مع الأسف تأتي ضمن سياق قواعد اللعبة السياسية التي غالباً ما تدفع الشعوب ثمن فاتورتها الباهظة جداً.

وهنا سأتوقف عن الخوض في تفاصيل مأساة شعب أراد أن ينعم بربيع الحرية الذي جذب أبناء المنطقة إلى الخراب والدمار تحت تأثير الشعارات البراقة الكاذبة مثل العدل والمشاركة والمساواة…إلخ.

فالحصاد الذي جناه الشعب السوري الغارق في الصراعات والانقسامات كان كافياً بأن يشعر المرء بأنه في قلب دائرة الموت الذي ظل يحوم فوق الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس وحتى دور العبادة دون وجود بارقة أمل بأن الغد قد يحمل مفاجآت سارة! وهذا ما أجبر السوريين على المغامرة بأرواحهم وأطفالهم عبر الإبحار في قوارب الموت التي تقاذفت بهم في عرض البحر بحثاً عن الحياة التي كادت المدافع والدبابات وطلقات الرصاص تخطفها من أجسادهم غدراً وغيلة تحت سماء بلادهم المنكوبة منذ أربع سنوات. من المؤلم جداً أن نشاهد إخوة لنا في الدين والدم يهيمون على تخوم بلدان لا تجمعهم بها أي صلة، وهم يستجدون العطف والرحمة بهم وبأطفالهم، ثم نتشدق بأننا متضامنون ومتعاطفون معهم دون أن نقدم لهم يد العون، أو على الأقل نكفيهم ذل اللجوء الذي دفع ببعضهم إلى أن يغامر بروحه من أجل الحصول عليه!

فقد كانت جثة الطفل السوري الملقاة على أحد الشواطئ في تركيا، ويداه ممدودتان على الرمل في مشهد تنفطر له القلوب وتبكي له العيون لهول المنظر، تلخص الوضع المأساوي الذي يعيشه أشقاؤنا السوريون في مخيمات اللاجئين في البلدان العربية والإسلامية، الأمر الذي حرّك إنسانية المستشارة الألمانية السيدة أنجيلا ميركل لتتخذ قراراً وصفه كثير من المحللين بالقرار التاريخي، نص على إلغاء "بصمة دبلن" للسوريين فقط، وهذا يعني أن ألمانيا مستعدة لاستقبال جميع اللاجئين السوريين، حتى أولئك الذين أُجبروا بحكم القانون الأوروبي على إجراء البصمة في بعض الدول الأوروبية الفقيرة!

إن "الهاشتاغات" التي أطلقها السوريون تعبيراً عن تقديرهم لصاحبة الضمير الحي التي لا تنتمي لا إلى دينهم ولا إلى قوميتهم، ستظل وصمة عار في جبين العرب والعروبة.

وإلى كل العرب الذين خذلوا فلسطين قبل أكثر من ستة عقود أقول لهم، ها هم أحفادكم الميامين يحتذون حذوكم ويقتدون بسيرتكم الحافلة بالشعارات الكاذبة التي دفع الفلسطينيون ثمنها غالياً جداً بعدما خسروا الوطن والكرامة وقبلها الهوية، وأطمئنكم بأن أحفادكم لا يكفُّون عن المطالبة بحق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجَّرهم العدو المغتصب منها قبل أكثر من خمسة وستين عاماً.

 

عيد الظفيري

كاتب سعودي مهتم بالشؤون الدينية والسياسية

 
عيد الظفيري
 
أرشيف الكاتب
العودة العمانية: لا حياد في الإرهاب
2017-01-11
عادل الجبير.. القوي الأمين
2016-12-28
مَن يتصدى للحشد الطائفي؟
2016-11-27
الوطنية السعودية بين الإفراط والتفريط
2016-11-21
من المسؤول عن انخفاض انتاجية موظفي الدولة السعودية؟
2016-10-24
منظمة العار ترحب بإسرائيل!
2016-08-17
ظاهرة الانغلاق الفكري
2016-07-25
التطرف في سبيل الله!
2016-07-02
سيلفي.. الحكاية التي فهمها الجميع
2016-06-23
التعايش بين طليطلة وكتالونيا
2016-05-30
المزيد

 
>>