First Published: 2015-09-13

اللسانيون يجزعون من الإعلاميين

 

السياسيون هم إعلاميون بدرجة واطئة عندما يعجزون عن إيصال أفكارهم، فعندما لا يفرق وزير عراقي بين 'ضخامة' وفخامة الرئيس، ويتحدث آخر بلغو عشوائي، فهذا لا يعني غير السقوط في وحل الهشاشة الفكرية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

عادة لا يتفقد الصحفي لغته عندما يتفقد أدواته الصحفية، فاللغة لا يمكن أن تصنف مع العدسة والهاتف والقلم وكراس الملاحظات، لأنه لم يستطع الدخول إلى هذا المضمار لولا لغته، اللغة كائن حي ينمو ويتطور داخل الصحفي وبمجرد إصابة هذا الكائن بالوهن يفقد الصحفي القدرة على توصيل خطابه بشكل جذاب ومقنع.

امتلاك ناصية اللغة لا يعني القدرة على الكتابة فقط عند الإعلامي، بل صناعة الأفكار واختيار السؤال بدقة والمحاورة بقدرة مقنعة، وإلا سقط في الشائع واليومي والمكرر، وهذا يفسر لنا لماذا يتراجع بعض المحاورين على الشاشات تدريجيا إلى اللهجة الدارجة بعد أن يطلقوا سؤالهم الذي سبق وأن جهزوه بلغة فصحى معبرة!

في لحظة تصاعد الحوار تخذل الإعلامي اللغة، وتموت الفكرة في داخله فلا يجد غير ثقافته السائدة ولهجته الدارجة التي يتحاور بها مع العامة كمعين للتعبير!

فهل بمقدوره بعد ذلك صناعة خطاب إعلامي مقنع ومؤثر، وهل سيجد من الجمهور من يتفاعل معه؟

يتفنن محاور تلفزيوني بمقدمة مقروءة عن ضيفه بلغة تعبيرية لامعة تنم عن حسن انتقائي وقدرة بارعة للكتابة "من كتبها؟ لا نستطيع بحسن النية إلا أن نقول هو" وبمجرد بدء الحوار نسمع من الإعلامي صاحب المقدمة البارعة أسئلة مصابة بالركاكة والخفة واستخدام أضعف الكلمات الدارجة على شاشة يفترض بها أن تشد الجمهور وتصنع وعي المشاهد.

ألا يفترض بكاتب المقدمة اللامعة امتلاك القدرة أثناء الحوار على إطلاق سؤال بنفس المواصفات اللامعة؟ أم إن الثقافة السائدة تسيطر عليه فيعود إلى المكرر والسطحي في لهجة دارجة سمعها في البيت والشارع وشكلت حيز وعيه، ولم يشكله التفكير العميق الذي تصنعه القراءة في متون الكتب.

بالأمس طالعتنا إحدى الصحف العربية بمقال لشاعرة وصحفية تعلن أنها تتقن أربع لغات غير العربية، مكتوب برمته باللهجة الدارجة، في تنازل مخيف عن نوعية الخطاب الصحفي لم تضع إدارة الصحيفة تفسيرا له، غير إشارة في نهايته تذكر أنه سكتش من سيناريو فيلم للكاتبة.

من السهولة دعوة امرأة أمية من ريف لبنان مثلا والطلب منها سرد همومها كما هي من دون تكلف، ومن السهولة أيضا تفريغ كلام تلك المرأة الأمية على الورق ونشره في نفس مساحة عمود الشاعرة والصحفية القادرة على الكتابة بأربع لغات، هل سيكون مثل هذا المقترح مقبولا لصحيفة يفترض ألا تتنازل عن محتوى وحساسية مسؤوليتها؟

السياسيون المعاصرون أيضا هم إعلاميون بدرجة واطئة عندما يعجزون عن إيصال أفكارهم بلغة مقبولة، فعندما لا يفرق وزير عراقي بين "ضخامة" وفخامة الرئيس، ويتحدث آخر بلغو عشوائي من دون أن يسيطر على أفكاره إلى الحد الذي يكرر الانفتاح على تنظيم داعش وهو يتحدث عن محاربته، فهذا لا يعني غير السقوط المريع في وحل السطحية والهشاشة الفكرية.

مثل هذا الأمر دفع الجامعي التونسي الدكتور توفيق قريرة إلى التساؤل عما إذا كان بمقدور اللغة أن تقود إلى الإطاحة بالسياسي؟

واستعان بمقال للكاتب كريستيان كومباز نشرته صحيفة لوفيغارو الفرنسية الأسبوع الماضي تحت عنوان "بيان مليء بالأخطاء اللغوية: هل يعرفون التكلم بالفرنسية في الأليزيه؟" عدّد فيه الأخطاء اللغوية في بيان صحفي وجهه الأليزيه إلى الصحفيين حول موضوع اللاجئين السوريّين.

وأورد مقاطع فيها أخطاء بدائية من نوع استخدام الصيغة الصرفية الصحيحة والمطابقة في الجنس والعدد والتعدية واللزوم في الأفعال وغيرها من الأخطاء التي لا يقع فيها عادة المبتدئون المتكلمون بألسنتهم الأصلية.

ويبدو أن الأمر لم يعد عند الخطأ في اللغة التي يعدها اللسانيون رصيدا تاريخيا ومن يخطئ فيها يكون كمن يعبث برابط مشترك ويسعى إلى إضعافه وزعزعته، ويعده الدكتور قريرة بمثابة كسر للقواعد الأخلاقية "فللمسألة بعد اجتماعي وأخلاقي قبل أن تكون ذات طابع معرفي".

أن تستحوذ السطحية والمباشرة على وسائل الإعلام وتسيطر الثقافة السائدة على طبيعة خطابها، هذا يعني أن مستقبل صناعة الأفكار في خطر، فمع ضعف إيصال الرؤية بلغة معبرة تضعف الرؤية بذاتها، ولا تجد اللغة من يعيد تشكيل العلائق فيها فتصاب بالوهن والارتخاء، ألم تمت اللغات من قبل!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
المزيد

 
>>