First Published: 2015-09-13

غياب خير سفير لليمن

 

لم أتصوّر أن القدر سيرحم أحمد المتوكل، لكنّه سيحرمنا منه. رحمه القدر لأنّه لن يرى الفصول الأخيرة البشعة من المأساة اليمنية المستمرّة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

كان الصديق احمد محمد المتوكل، الذي توفّاه الله عن عمر يناهز الخمسة وسبعين عاما ذلك الوجه اليمني المشرق الذي سيفتقده اصدقاؤه الكثر، خصوصا اولئك الذين عرفوه عن كثب. كان بالفعل خير سفير لليمن وكلّ ما له علاقة بهذا البلد العريق الذي يمرّ حاليا في ازمة عميقة يصعب تصوّر كيف سيخرج منها.

تعرّفت إلى احمد المتوكل في بيروت عندما كان سفيرا للجمهورية العربية اليمنية، أي اليمن الشمالي قبل الوحدة. كان ذلك في منتصف ثمانينات القرن الماضي عندما كنت رئيسا للقسم العربي والدولي في صحيفة "النهار". وجدت فيه سفيرا لليمن في لبنان وسفيرا للبنان في اليمن وحتّى خارج اليمن.

نمت صداقتنا وتعزّزت مع الوقت، خصوصا بعد زيارتي الأولى لصنعاء التي كانت بترتيب من الإستاذ أحمد، كما كنا نسمّيه. اختار السفير أحمد المتوكّل ثلاثة صحافيين لبنانيين للمشاركة في الإحتفال باعادة بناء سدّ مأرب التاريخي. رافقت في تلك الرحلة الأستاذ طلال سلمان، صاحب جريدة "السفير" ورئيس تحريرها والأستاذ حسن صبرا، صاحب "الشراع" ورئيس تحريرها.

كان ذلك في آب ـ اغسطس 1986. وكان الأستاذ احمد السبب الذي اوقعني في غرام اليمن ومدينة صنعاء التي تعيش حاليا أيّاما صعبة ومحنة حقيقية. بالنسبة إليّ بقي احمد المتوكّل يمثل صنعاء الجميلة. كان يمثّل الصداقات التي تبقى وتتحدّى الزمن.

كان سدّ مأرب، الذي اعاد بناءه على نفقته الخاصة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، عنوانا لبلد يبني نفسه ويتلمّس طريقه كي يكون في مصاف الدول التي تستطيع التقدّم على رغم كلّ الصعوبات القائمة، بما في ذلك قلّة الثروات البشرية والنموّ الكارثي للسكّان. اراد الشيخ زايد بنخوته العربية الأصيلة انتشال اليمن من الفقر والتخلّف وردم الهوة قدر المستطاع بينه وبين جيرانه. كانت اعادة سدّ مأرب بمثابة البداية.

إلى ذلك، كان سدّ مأرب عنوانا للأمل باليمن حيث يحرث الإنسان الصخر ويبني منازل ومزارع وحقولاً في اماكن لا يمكن للمرء أن يتخيّل أن في استطاعة اليمني الوصول اليها.

بفضل احمد المتوكّل تعرّفت على حقيقة اليمن واليمنيين وعلى الحياة في صنعاء. صار اليمن في دمي، ذلك أنّ احمد المتوكّل عرفني على بعض الشخصيات اليمنية التي لا يمكن إلّا الإعجاب بها والتعلّم منها. كما عرّفني بأحلى ما في صنعاء. من بين الذين عرَّفني اليهم شقيقه اللواء يحيى الذي لم يكن مجرّد سياسي يمني دمث، بل كان اكثر من ذلك بكثير، كونه كان يعرف اليمن وما يحيط باليمن عن ظهر قلب.

عبر أحمد المتوكّل تعرّفت على اليمن واليمنيين. فتح لي كلّ الأبواب. ولكن أكثر ما تعرّفت عليه، عبره، كان ذلك الإنسان الذي يعرف معنى الصداقة والوفاء.

طوال ثلاثين عاماً، أي منذ العام 1985، بقي أحمد المتوكّل صديقا، هو وافراد عائلته. كان يدخل بيتي في بيروت، قبل انتقالي إلى لندن، من دون استئذان. وكنت ادخل بيته في صنعاء من دون استئذان طبعاً.

كان يسرّ إليّ بكل صغيرة وكبيرة. كان يخفي خلف مظهره البسيط وتواضعه الجمّ، هو الآتي من إحدى اكبر العائلات اليمنية، حسّاً سياسياً مرهفاً. غالباً ما ذكّرني بكلام كنت اقوله في جلسات القات في صنعاء. كان صريحا في تعليقاته وملاحظاته.

كان يقول لي في بعض الأحيان، من باب الصداقة والصراحة، إنى بالغت ولم أكن موفّقا. وكان يقول لي في احيان أخرى أنّي كنت مصيبا. توقّف طويلا في احدى المرّات عند تعليق لي في جلسة قات. كان ذلك قبل ايّام من اعلان الوحدة اليمنية في ايار ـ مايو من العام 1990. تساءلت وقتذاك بصوت عالٍ: "ما الثمن الذي سيدفعه اليمن في مقابل الوحدة؟". كان ردّ فعله أنّ سؤالي ليس بريئاً، وراح يسألني عن خلفيات السؤال، فاجبته أنّ الوحدة لن تمرّ بسهولة وان اليمن قد يكون مقبلا على احداث كبيرة. اعاد تذكيري بالسؤال غبر مرّة، خصوصا بعد حرب صيف العام 1994. كان جوابي الدائم أنّه لم تكن لديّ معلومات بمقدار ما كان لدي حدس.

في كلّ حياتي، لم اجد شخصا بوفاء أحمد المتوكل لأصدقائه واخلاصه لهم. كانت طيبته المجبولة بالذكاء الفطري، من النوع الذي لا يتمتع به سوى الكبار الكبار الذين يمتلكون ارثا أخلاقيا وثقافيا وحضاريا ذا جذور عميقة. هذه الطيبة لم تمنعه من التفريق بين الأشخاص الذين كانوا يترددون على صنعاء ومعرفة خبايا ما يريدونه.

بغياب أحمد المتوكل، يغيب بالنسبة إليّ جزء من اليمن، البلد الذي قدّمني اليه ابن العائلة العريقة، الرجل الذي خدم بلده بكلّ اخلاص في كلّ موقع شغله، اكان ذلك الموقع عسكريا او مرتبطا بالعمل الديبلوماسي. ليس من عزاء لي يعوض ما خسرته في الرجل سوى معرفتي العائلة التي ربطتني بافرادها علاقة عميقة صار عمرها يزيد على ربع قرن. لم استطع يوما تذكّر المرحوم يحيى المتوكّل، إلّا وفي حلقي غصّة.

ربّما كان من الأفضل لأحمد المتوكل أن يغادرنا الآن حتّى لا يعيش ويرى ما يمرّ به اليمن هذه الأيّام. الموت رحمه. كان رجلا حساسا إلى حدّ كبير. كانت لديه دائما واقعية ليست بعدها واقعية. كان يقول الأشياء كما هي من دون لفّ أو دوران. كان يدرك تماما ماذا يعني العلم. بذل كلّ ما يستطيع كي يتعلّم ابناؤه، على رأسهم عبد الحميد. أتذكّر كم كانت فرحته كبيرة عندما ذهب ابنه عصام إلى الولايات المتحدة للإلتحاق بإحدى جامعاتها.

جعلني أحمد المتوكّل أتعلّق باليمن. تعرّفت من خلاله إلى العائلة، إلى ابنائه وابناء شقيقه على رأسهم محمد يحيى المتوكل وعلى الأقارب كالصديق حسين المتوكّل. ادخلني أحمد المتوكل إلى صنعاء حيث صار لديّ عشرات الأصدقاء، من طينة العميد علي الشاطر، رجل الوفاء والإخلاص والآدمية، الذي مهّد لأول حديث اجريته مع الرئيس، وقتذاك، علي عبدالله صالح في العام 1986.

مع رحيل أحمد المتوكّل، اتذكّر في كلّ وقت الرحلة الأولى إلى صنعاء. اتذكّر، بعد ذلك، إني كنت برفقته عندما كنت الصحافي العربي الوحيد الذي غطّى الإحتفال الذي جرى في عدن يوم الثاني والعشرين من أيّار ـ مايو 1990، في مناسبة توقيع اتفاق الوحدة اليمنية.

كنت إلى جانبه في تلك الأيّام التي لا تنسى والتي رأيت فيها فصولا من التاريخ تتوالى بسرعة مذهلة. لم أتصوّر يوما أن اليمن يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه.. لم أتصوّر أن القدر سيرحم أحمد المتوكل، لكنّه سيحرمنا منه. رحمه القدر لأنّه لن يرى الفصول الأخيرة البشعة من المأساة اليمنية المستمرّة.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
مرحلة الصواريخ الباليستية والميليشيات
2017-11-22
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
عندما يرفض لبنان تغطية سياسات ايران
2017-11-06
المزيد

 
>>