First Published: 2015-09-15

عمرهم ساعات متوقفة

 

الخميني وحده من بين البشر اختار أن يموت عندما اكتشف أن الحاجة انتفت إليه أو لم يعد بمقدوره عمل أي شيء بعد تجرع سم الهزيمة في الحرب مع العراق، حسب وصف الروائية الإيرانية آذر نفيسي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لا يوجد أسوأ من السياسيين العائدين إلى أوطانهم المفترضة بعد سنوات من الاغتراب أو الهروب أو التوق إلى جنة الغرب وحريته، مع أن بعضهم يمارس دور الضحية بامتياز تاريخي ويكرر مفردة “المنفى” في صلف وضحالة.

فالزمن بالنسبة إلى هؤلاء توقف عند زقاق منزلهم ولم يتعده بعد كل تلك السنين، وعندما عادوا تصرفوا بأدمغة توقفت الساعات فيها عند آخر شارع مروا به قبل هروبهم!

العمر بالنسبة إليهم ليست له علاقة بذلك الذي تتطور فيه المدارك والقدرة على التفكير العميق مع الأيام، لأنه أشبه بساعة متوقفة عند زمن آفل ومن دون أن تكون لديهم الرغبة في الشعور بذلك.

الساعات في أدمغة مثل هؤلاء السياسيين العائدين إلى المنطقة الخضراء ليست كالساعات التي صنعها القاص محمد خضير تجري كالخيول، ولا عمرهم يمتلك مواصفات الإيحاء الشعري عند مظفر النواب الذي افترض الثلاثين فيه حدا للحب أو الخيبة، إنه دورة في المكان نفسه لا تتحسس التغيرات المتصاعدة عبر الزمن، حتى وإن تغيرت الجغرافيا المحيطة بهم.

ومن البساطة معرفة لماذا ساعات أدمغتهم متوقفة مع أن بعضهم شعر بقيمة الكرامة عندما عاش سنوات في الغرب، ومر على مدن أشبه بمتحف كبير هذبت على الأقل ذائقته البصرية بافتراض عقلي، ومع ذلك فهم مازالوا يعرّفون أنفسهم بما يكرهون.

ساعات وعيهم متوقفة لأنهم لم يتخلصوا من “قدسية” عودة الخميني من باريس إلى طهران، وهو مثال لأسوء العائدين إلى أوطانهم، لأنه لم يغادر كونه عاش في أقبية النجف مثلا ولم تعن باريس له فاصلا في التجربة، المكان بالنسبة إليه المراقد والقبور وليس مدنا يشعر فيها الإنسان بقيمته الإنسانية، ويقال إن أهم فقرة في وصيته أن يعاد دفن جثته في النجف عندما تسنح الظروف.

الخميني وحده من بين البشر اختار أن يموت عندما اكتشف أن الحاجة انتفت إليه أو لم يعد بمقدوره عمل أي شيء بعد تجرع سم الهزيمة في الحرب مع العراق، حسب وصف الروائية الإيرانية آذر نفيسي.

وليس مثل هذا الخيار قائما في وعي سياسيي المنطقة الخضراء، لأن الأموال والبلاد البديلة تخففان لديهم من وطأة الشعور بالموت المتصاعد حولهم، فهم لا يقدرون اختيار موتهم كما مثالهم الإيراني بامتياز.

العودة إلى البلاد البديلة، سواء اقتربت أم مازالت أملا عند الجموع المتظاهرة التي تنتظر التخلص منهم، لا تعيد تشغيل ساعات متوقفة في أدمغة عاطلة، ساعات تدور نحو الماضي، نحو خرافة تاريخية تتراكم يوميا حولها تلال الكراهية.

الماضي لا يقترب من الساعات ويخافها، لكنه يعشعش في أحشائها عندما تتوقف، كما هي ساعات عقول سياسيي المنطقة الخضراء.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>