First Published: 2015-09-17

شبح 'الإسلاميين' يهدد روسيا

 

في حالة نجاح خطة بوتين العربية، وتمكنه من الوصول لتسوية سياسية تنقذ النظام في سوريا، فإنه سيدشن مرحلة جديدة من الصراع بين موسكو والإسلاميين المتطرفين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

يبدو أن التنظيمات الإسلامية المتشددة، التي انتعشت وانتشرت وتغولت خلال فترة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، قد يتم ضخ دماء جديدة في عروقها قريبا، بعد أن خفت نجمها عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وتعود كمنغص في الفناء الخلفي لروسيا، التي رمت بثقلها السياسي والعسكري وراء دمشق أخيرا، لوضع حد للأزمة السورية الممتدة منذ حوالي خمسة أعوام.

الحديث عن عودة التنظيمات الحركية للمنطقة القريبة من روسيا، لا يعني أنها خالية حاليا من المتشددين، بل هناك جماعات، معلنة وكامنة، تتغذى على العنف، وتؤمن به كوسيلة للتغيير، موجودة في عدد من دول الاتحاد السوفييتي السابق، مثل كازاخستان وطاجكستان وأوزبكستان، فضلاً عن الشيشان وأفغانستان وباكستان.

لكن الانشغال بها لم يعد أولوية عالمية، لذلك لم يتم تسليط الأضواء عليها، والتركيز على تنظيم داعش، وتصويره على أنه الشبح الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين، كما كانت الحال مع القاعدة التي تراجع دورها، لأن القوى التي صنعتها أرادت ذلك.

خلال الأيام الماضية عاد أيمن الظواهري زعيم القاعدة، وطل علينا بتسجيل صوتي، تمت إذاعته على مرحلتين، ولا أحد يعرف بالضبط تاريخ تسجيله، لأنه حوى إشارة تفيد بأن الملا عمر زعيم طالبان على قيد الحياة، بينما جرى نعيه رسميا قبل أسابيع، وقيل إنه لقي حتفه منذ عامين، وتم التكتم على وفاته، المهم أن تسجيل الظواهري، المتناقض في جزء كبير من مضمونه، ينطوي على إشارة بأن تنظيمه الذي تعرض للتآكل يعتزم العودة للعمل الإرهابي النوعي، ملمحا بعدم استبعاد التعاون بينه وداعش، التي سبق للظاهري أن كال عليها التراب.

الظهور المفاجئ للظواهري، لم يأت توقيته من فراغ، ويؤكد أن تنظيم القاعدة لا يزال واحدا من الأدوات الأميركية المستترة، التي جري ويجري استعمالها، كمعول هدم ضد بعض الدول، مثل غالبية تيارات الإسلام السياسي والمسلح، التي تستخدم حاليا لهذا الغرض، ولعل دور القاعدة وطالبان والحزمة الطويلة من المتطرفين، في أفغانستان غنية عن الشرح، ودور جماعة الإخوان وتنظيم داعش في منطقة الشرق الأوسط حاليا، يعززان اللجوء لهذه الورقة، فعندما تعجز أو ترفض واشنطن الدخول في مواجهة مباشرة مع بعض الخصوم، تلجأ إلى تفعيلها، هكذا تشير تطورات المشهد الراهن في سوريا.

دخول روسيا على خط الأزمة مباشرة قلب كثير من الحسابات الإقليمية والدولية، فانغماس موسكو في الأوضاع المتسارعة في سوريا، تجاوز الحدود السياسية والعسكرية العادية، ووصل إلى نقطة الوقوف خلف النظام بكل قوة، وأصبحت موسكو طرفاً أصيلاً، استطاع خلال فترة وجيزة أن يعدل دفة الأمور لصالح نظام الرئيس بشار الأسد، ومتوقع أن يجبر التيارات الإسلامية المتشددة، ومن يقف خلفها، على تغيير رؤيتهم، خاصة أن اللعبة القذرة التي يقوم بها تنظيم داعش بدأت تتكشف بعض خيوطها، الأمنية والسياسية والطائفية، الأمر الذي جذب لموسكو المزيد من المتحالفين، والتعامل مع ما يحدث في سوريا، باعتباره من أنواع الإرهاب شديد الخطورة، وليس بحسبانه ثورة شعبية ضد النظام السوري.

انقلاب الطاولة بهذه الصورة، بمعنى إعادة الاعتبار للنظام السوري، وتوافق غالبية الأطراف حول التسوية السياسية، سيكون بمثابة هزيمة للقوى التي حاربت الرئيس بشار الأسد، وأبرزها الولايات المتحدة، نتائجها سوف تضعها أمام موقف حرج، لذلك تناور الآن بورقة اللاجئين، وتحاول توظيفها، لتحميل النظام السوري مسؤولية المأساة الإنسانية، وصرف النظر عن المرجعية السياسية للتفاوض حول مصير سوريا، أي تجاهل مقررات جنيف 1، أملاً في تقليص الزخم الذي أحدثه التدخل الروسي الكبير في الأزمة.

التحركات في هذا الفضاء، ربما لا تكتمل بدون البحث عن منغصات، توقف زحف القوى التي تمثل حائط صد مع النظام السوري، وأهم قوتين حالياً، إيران وروسيا، وإذا كانت الأولى أوشكت على دخول المحرقة السياسية والاقتصادية لترتيبات الاتفاق النووي، بشكل يمكن أن يجبرها على التقليل من دعم دمشق، أو يفرض عليها الواقع تقديرات مختلفة، تضطرها إلى تغيير موقفها، فإنه لزاماً عليها إيجاد مخرج مناسب للحد من تقدم الثانية في المجال السوري.

ربما تكون التنظيمات المتشددة من أهم الأوراق التي يمكن استخدامها، حيث تمت تجربتها ونجحت في أفغانستان، والآن فرص النجاح ليست هينة، فقد تجد روسيا نفسها بين كماشة، أحد طرفيها وجود قواتها في سوريا، وهنا المواجهة مفتوحة على مسرح عمليات يتسم بالتعقيد والغموض، والآخر تسخين الجبهة الخلفية لها، وإطلاق الصافرة لبداية مباراة جديدة بين الإسلاميين المتطرفين وروسيا.

في هذه الحالة، يكون الملعب مهيأً للمباراة المنتظرة، بعد فترة طويلة من الإعداد والتجهيز خارجه، لا سيما أن معظم الدول المحيطة بروسيا زاخرة بجماعات تكفيرية ومتشددة ومتخلفة، تتشوق للقتال، تحت شعارات إسلامية براقة وزائفة.

من هنا، يمكن تفسير رسالة الظواهري الأخيرة، والتي حاول البعض ربط بثها بذكرى أحداث 11 سبتمبر، خاصة أنها حملت تهديدا للولايات المتحدة والغرب عموما، لكن هي في الحقيقة ترمي إلى الإيحاء بأن تنظيم القاعدة موجود هناك في أفغانستان، التي كانت أراضيها مستنقعاً لموسكو، ومن غير المستبعد أن تلتف حوله جماعات أخرى، لاستئناف العمليات الإرهابية على نطاق واسع، لجذب الانتباه، ثم الترويج بأن شبح المتطرفين يطل برأسه من جديد، ويهدد إستراتيجية موسكو العالمية.

في حالة نجاح خطة بوتين العربية، وتمكنه من الوصول لتسوية سياسية في سوريا، سوف يواجه بروافد وبقايا وفلول المتشددين، الذين مرجح تسربهم ووصولهم لأماكن عدة، من بينها دول الاتحاد السوفييتي السابق، فكلنا يتذكر مصيرهم، بعد حرب أفغانستان والبوسنة والهرسك، حيث حصلوا على مساعدات من قوى دولية مختلفة، قامت بتهريبهم، جواً وبراً وبحراً، إلى دول كثيرة، وهو المصير نفسه الذي ينتظر عشرات الآلاف ممن قاتلوا في سوريا، فقد تتغير التكتيكات، لكن سوف تظل الاستراتيجية الأميركية واحدة، لذلك علينا الاستعداد لجولة من المواجهات بين موسكو والإسلاميين المتطرفين.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>