First Published: 2015-09-19

التكفير عقيدة تفوق ومواجهة للشفقة بالعنف

 

الوهابي يفكر بالتكفير لأنه يحتل الأرض بالرعب ويبدل البشر. فهو لا يحتاج الى التعايش الا وفق قوانينه الدينية التي تضمن ثراءه وتفوقه وسيادته على الأرض.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

إذا دخل الوهابيون الموصل فلن يخرجوا منها. النجديون كانوا يأتون من الصحراء ويستنبطون الأرض بالبصرة. تراهم يقدرون الماء والخضرة والقمح والفاكهة والأغنام، ويضحكون كالأطفال حين تمطر الدنيا وليسوا كالشاعر السياب الذي كان يفكر بالحزن الذي يبعثه المطر. فالله قد خلق العالم وبعث الرزق والمطر، والأفضل عندهم ألا يفكر الانسان بتشاؤم.

اذا دخل الوهابيون أرضا خصبة، سيبحثون عن شيئين هما الرزق والسلطان، فإذا كان هناك سلطان ورزق لهم لن يخرجوا على الإطلاق. هم يأخذون الموصل وبغداد ويبنون فيها المشاريع، ويجلبون اليها العُمّال الأجانب والمهاجرين. الوهابي رجل اعمال، ومقاول، وتاجر، وخبير استثمار. هو ببساطة لا يشعر بأي قلق وجودي، فالعالم عنده كفار ومؤمنون وهو بنظر نفسه من المؤمنين. تربطه علاقة مصلحة بالكفار، وعلاقة عقيدة بجميع الوهابيين.

هذا الشعور بالتفوق واحتقار العالم هو مصدر تكدس الثروة عند الوهابي. فالشيوعي المبذر للمال والوقت يحب البشرية، ويسكر، ويفكر بالحزن الذي يبعثه المطر. بينما الوهابي لا يسكر ويومه مقسم بحسب أوقات الصلاة، ولا يقامر، ولا يبالي بالبشرية، ولا يشعر بشيء سوى التفوق، والذهب يتراكم في حسابه.

سيأخذ الوهابيون الأرض في النهاية ويتوارثونها، وسنأخذ نحن جوازات أجنبية. إن رزق الوهابي الوفير هو نفسه رزق "شعب الله المختار" رزق التكفير. أنت تفكر بالتعايش مع البشر لأنك لاجئ. الوهابي يفكر بالتكفير لأنه يحتل الأرض بالرعب ويبدل البشر. فهو لا يحتاج الى التعايش الا وفق قوانينه الدينية التي تضمن ثراءه وتفوقه وسيادته على الأرض.

الوهابي يقول لك التعايش جعلكم لاجئين وعمال مطاعم في ستوكهولم، وجعلكم تؤمرون العلوي بشار الأسد على المسلمين ليضربكم بالبراميل المتفجرة والكيمياوي، ويستجلب عليكم الايرانيين والروس والشيوعيين لذبحكم. التعايش جعلكم بلا تضامن ولا حتى أصدقاء. فالوهابي ليس وحيدا، عنده دائما أصدقاء من نوعه "أخوة في التكفير" يتقاسمون المال والخبز والهدف وصلاة الجماعة والشعور بالتفوق.

الوهابي لا يشعر بالكآبة، ولا يتعاطى الحبوب المهدئة، ولا ينتحر. إنه يعيش في جزيرته السعيدة، حيث التكفير والقوة والتفوق واحتقار العالم والمال.

لقد حاصر الغرب صدام حسين 13 سنة، وكانوا يفتشون حتى القصور الرئاسية وغرف النوم بحجة البحث عن أسلحة دمار شامل. مات الأطفال بنقص الدواء والغذاء، وفي النهاية احتلوا البلاد وقتلوا أولاده، وشنقوه بعد ثلاث سنوات من الاحتلال.

لم يفعل شيئا خلال 13 سنة حصار سوى الأمل والانتظار، لم يهجم باتجاه الشيعة ولا باتجاه السنة. فقد كان مغضوباً عليه ومرفوضاً عقائديا من الطرفين. داعش قضية مختلفة، فهي برهان على أن التنظيم الديني أقوى من الشعبية. شعبية صدام حسين لم تساعده في شيء. الدواعش يتحدثون بلغة أخرى هي لغة ابن تيمية وابن القيم وابن عبدالوهاب، وهذا ما يجعل من قتالهم وحصارهم عملية عقلانية وليست عاطفية.

ثم أن قادة البعث وجنرالاته قد سلموا أنفسهم أحياء للإحتلال الأميركي، بينما لا يسلم الجندي الداعشي البسيط نفسه حيا. نحن أمام قضية مختلفة تماماً عن نظام صدام حسين وعبادة القائد الضرورة. كلنا يتذكر بأن الصورة الأشهر عام 1991 هي كانت لجندي عراقي مهزوم يقبل بسطار الجندي الأميركي.

الحصار الأجنبي نجح في تجويع صدام حسين، فهو في النهاية دكتاتور يحكم بعقيدة ميشيل عفلق، ويعلم المسلمين بأن الأمة هي في الحقيقة أمة عربية. رجل يقوم حكمه على فكرة غربية لا يستطيع مقاومة حصار إذا فرضه عليه الأجنبي. بينما الحكومات الدينية مثل ايران وداعش أكثر مقاومة للحصار الغربي. لأن الحصار أساسا يخدم الدولة الاسلامية. فهو يمنحها العزلة الضرورية للتطور. إن دولة ماكرة تحتفظ بالتمدد والتوحش لعام ونصف، يمكنها التفاوض فيما بعد عليهما. ترك التوحش والتمدد مقابل رفع الحصار بشكل جزئي.

ما هو خلافنا الفكري اليوم مع المتطرفين؟ بصراحة نحن واقعيون ونعتقد بأننا يمكن أن نتعايش مع الهزيمة. لا توجد مشكلة في ذلك فروسيا مثلا دولة قوية وأميركا كذلك قوية، ولا داعي لتحدي الأقوياء. الولايات المتحدة تريد دعم الشيعة للقضاء على المذهب السني في العراق. وروسيا تريد دعم العلويين للقضاء على المذهب السني في سوريا. وإيران في الحالتين تقدم خدمات جليلة لكل من روسيا وأميركا في هذه المهمة المقدسة. وهي القضاء على كل مظاهر ومراكز ورموز الاسلام السني في العراق وسوريا وتجريدهم من السلطة. وقد حصلت ايران مقابل ذلك التعاون الواسع على رفع العقوبات، والاتفاق النووي، وإطلاق يدها في المنطقة.

بالنسبة لنا هذا الأمر طبيعي. فما دامت هذه مشيئة الكبار والأقوياء لا بأس، الهزيمة في هذه الحالة أمر محتوم. بينما الدواعش والمتطرفون يرفضون هذه الحتمية ويعرضون أنفسهم والمدن التي يسيطرون عليها للمخاطر بالتوحش والإرهاب واستفزاز سادة العالم.

ثم من ناحية منطقية وعلمية، لو كان الغرب يريد انتشار المذهب الشيعي كعقاب للسنة على نشاطهم الإرهابي ضد الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا؟ لا يمكن في ظروف من هذا النوع صياغة احتجاج منطقي وعدم التحول التدريجي الى التشيع. الاحتجاج القوي الوحيد سيكون لاعقلانيا، أي أنه احتجاج ديني وعسكري متطرف، وهذا ما يحدث بكل أسف.

وكردة فعل على هذا المشروع الصفوي المدعوم من الأقوياء ظهرت داعش التي تطمح بتغيير الخريطة. لا توجد في نظرهم فائدة من وجود السنة كأقلية بالعراق الذي هو بلد مجاور لإيران، يجب أن يكون هناك مئة مليون سني في دولة بحجم ايران جغرافيا على الأقل، أو يتشيع العراق بالكامل لإنهاء التوتر.

لهذا نرى جيشا عراقيا وأكراد العراق واكراد سوريا واكراد تركيا وحشدا شعبيا وجيشا سوريا وحزب الله وإيران واميركا وروسيا وتركيا وبريطانيا وفرنسا والعالم كله يحارب مَن اليوم؟ إنه يحارب التكفيريين أصحاب هذه الأفكار الخطيرة التي تطمح الى "تمزيق" الخرائط.

وخير مثال على ذلك ما نراه في محافظة نينوى اليوم. الموصل دخلت في سُرَّة المذهب السني، واقتحام المدينة من قبل قوات شيعية سوف يؤدي الى تصاعد التطرّف والحرب المذهبية، بل يهدد حياة الشيعة الأبرياء في كثير من الدول السنية. المسألة معقدة بوجود مقاتلين من جميع أنحاء العالم يتساقطون تحت أسوارها باسم الدين. هذه عودة مخيفة للمدن المقدسة والحروب الدينية. فمن الذي قاتل لأجل أورشليم في الحروب الصليبية؟ نصارى أوروبا الغرباء هم الذين قاتلوا بشراسة.

الوهابيون سيمتلكون الأرض بينما المواطن العادي سيتحول إلى "لاجيء". هذا العربي الذي يظن بأن الغرب مجرد "شفقة" لم يستوعب الطاقة العنيفة لفتوة بناته، ولا الحرية العظيمة التي ستمتلكها هذه الزوجة الجميلة التي معه. لاجئ معجب بشفقة الأجنبي، وغير معجب بحريته الفكرية والجنسية.

بينما الوهابي -من جهة أخرى- ماكر جداً فهو ينهي الجدل بتكفير الأجنبي مقدما، ويراكم الذهب في جماعته وحساباته، ويشكل جماعة إخاء تكفيرية حول العالم، جماعات منغلقة متعددة الجنسيات مبنية على المصالح والعمل والعبادة. تتعاون في العلوم والتجارة والاستثمار، ويحتفظون بالأرض والنساء والأطفال على الطريقة الاسلامية بحسب فهمهم للدين. ذلك الفهم الذي يتضمن سيادتهم وثراءهم وانتصار قيمهم. إنهم يواجهون الشفقة بالعنف.

 

أسعد البصري

الاسم عبد المجيد
الدولة الخليج العربي السعيد

اخي انت تتكلم عن وباء اسمه الوهابية مثل السيدا والايبولا وهي لاتحتاج الى غزل ومطولات افعالهم تدل عليهم مذابح وانهار دماء وتكفير حتى الحجر والطير سلوك لانضير له

2015-09-20

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
المزيد

 
>>