First Published: 2015-09-20

المطلوب وحدة وطنية وليس مصالحة طرفي الانقسام

 

الدعوة لمجلس وطني فلسطيني هي فرصة للخروج من بؤس حوارات المصالحة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

نعلم أن أي حديث عن المصالحة أصبح فاقدا المصداقية وممجوجا عند الجمهور الفلسطيني، ليس لأن الشعب لا يريد المصالحة بل بسبب التقزيم والتشويه لمطلب واستحقاقات الوحدة الوطنية واختزالها بمصالحة بين فتح وحماس وبالخلاف حول السلطة والحكومة ومنافعهما، ولأن كثرة استعمال الكلمة وتكرارها على لسان السياسيين لا يقابلها مخرجات تصالحية على أرض الواقع. إلا أن ما يجري في القدس والأقصى من ممارسات صهيونية وردود الفعل الفلسطينية والعربية، الرسمية والشعبية، الباهتة والمُخجلة، إن كان يكشف بؤس النخب السياسية وما وصلت إليه الحالة الفلسطينية الرسمية والشعبية من ترد، إلا أنه يؤكد على ضرورة وأهمية الوحدة الوطنية.

فما أن يسمع المواطن اليوم مصطلح المصالحة حتى يستحضر الانقسام ومصالحة حركة فتح وحركة حماس وإنهاء الخلافات بينهما في قضايا السلطة والحكومة وحول ما جرى يوم 14 يونيو 2007 وما بعد. ضمن نفس المفهوم والسياق فأن الحوارات الأساسية للمصالحة كانت تجري غالبا بين فتح وحماس، وإن كانت في بداياتها تتطرق لقضايا استراتيجية كالانضمام لمنظمة التحرير والتسوية والدولة وإنهاء الانقسام، إلا أنها اخيرا باتت تنشغل بقضايا فرعية كالرواتب والمعابر، وسيطرت عليها المهاترات والمناكفات السياسية.أما فصائل العمل الوطني، سواء من كان منها منضويا في منظمة التحرير كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب الخ، أو خارجها كالجهاد الإسلامي، فإما مُغيبة أو ليست مكوِّنا اساسيا في هذه الحوارات والاتفاقات الموقعة، لذا نسمع هذه الاطراف تتحدث عن طرفي الانقسام – وتقصد فتح وحماس- وكأنها خارج معادلة الانقسام وخارج معادلة المصالحة أيضا.

لنتصور أن محاولات المصالحة الجارية وصلت لطريق مسدود والتسوية مع الاحتلال وصلت أيضا لطريق مسدود – إن لم تكونا وصلتا بالفعل- فهل ستنتهي القضية الوطنية ويستسلم الفلسطينيون للأمر الواقع، واقع الاحتلال وواقع الانقسام؟ أم يحتاج الأمر لتفكير وطني استراتيجي يعلو ويسمو على السلطة والحكومة والخلافات حولهما، ووضع استراتيجية عمل وطني شمولية، استراتيجية لشعب قوامه أكثر من اثني عشر مليون نسمه، ويضرب بجذوره إلى أكثر من أربعة آلاف عام.

نخب نافذة في كل الأطراف السياسية – منظمة التحرير بكل فصائلها وحماس والجهاد الإسلامي والسلطة الوطنية - باتت تخفي عجزها وفشلها وفسادها من خلال حديثها عن المصالحة وتحميل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية الانقسام وفشل المصالحة.وفي نفس الوقت تعمل بالسر على تمرير مشاريع والدخول في تفاهمات مشبوهة مع إسرائيل وأطراف خارجية، لتثبيت مواقعها السلطوية والحفاظ على مصالحها وبعضها على مجرد بقائها في المشهد السياسي.

بعد كل ما جرى ويجري من مهازل ومهاترات تحت عنوان حوارات واتفاقات المصالحة، وفي ظل ما تتعرض له القدس والأقصى من مخاطر تهويد حقيقية يجب الانتقال من مفهوم المصالحة بمفرداتها وعناصرها التي تم الاشتغال عليها خلال السنوات اللاحقة للانقسام إلى مفهوم وإستراتيجية الوحدة الوطنية أو المصالحة الحقيقية كعمل استراتيجي يسمو على الأحزاب السياسية وبرامجها وارتباطاتها الخارجية، كما تسمو على تدبير الشؤون اليومية للمواطنين وتداعيات ما بعد 14 يونيو 2007 دون تجاهلها كليا لتتصدى لمواجهة الاحتلال.

الانتقال من المصالحة إلى الوحدة والوطنية ليس إبدال كلمات بأخرى للدلالة على المضمون نفسه، بل تحول استراتيجي جوهري في الرؤية الاستراتيجية بأبعادها المكانية والمجتمعية والزمانية، وفي اولويات العمل الوطني، وفي الأشخاص أو الاطراف القائمين على كل منهما.

استراتيجية الوحدة الوطنية ليست فقط مصالحة بين فتح وحماس، ولا تتوقف عند الانقسام وتداعياته، بل مصالحة سياسية واجتماعية وثقافية بين كل مكونات الشعب الفلسطيني، مصالحة تبحث في جذور الانقسام وأسبابه العميقة وأطرافه المحلية والخارجية، وتعالج الانقسام في سياق مراجعة استراتيجية لمجمل الوضع العام بما يجعل النظام السياسي موحدا وفي مستوى مواجهة المخاطر الاستراتيجية التي يشكلها الاحتلال وممارساته. أيضا إذا المصالحة تهتم بتوزيع مغانم السلطة والمناصب الحكومية لذا تسيطر عليها الاهتمامات الآنية وتغيب عنها الرؤى المستقبلية، فإن الوحدة الوطنية تقوم على شراكة الدم والوطن والبناء للمستقبل.

مصالحة حركتي فتح وحماس حتى وإن تحققت لن تؤدي بالضرورة لتحقيق الوحدة الوطنية وحتمية إنهاء الانقسام والفصل بين غزة والضفة، ليس بسبب الاشتراطات الخارجية فقط بل بسبب التباس الخارطة السياسية الفلسطينية الداخلية. فهل المشكلة مع فتح فقط أم مع منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها؟ وعلى المستويين فإن حركة فتح ضعيفة وشبه منقسمة، وحال منظمة التحرير ليس بالأفضل، حتى إن اختزلنا الانقسام بخلاف حركة حماس مع فتح فإن تنظيم حركة فتح ضعيف ويعاني من تصدعات عميقة وبات مهمشا على مستوى القرار الاستراتيجي. وفي المعسكر الثاني إن كانت حركة حماس هي من قام بالانقلاب وهي قوة أساسية عسكريا وشعبيا كما انها المسيطرة على قطاع غزة، إلا أن قوى اخرى في نفس المعسكر، كحركة الجهاد الإسلامي والجماعات السلفية وحزب التحرير وداعش، لا تتفق مع حركة حماس في سياساتها ونهجها، لذا فمصالحة بين فتح وحماس إن كان يخفف الاحتقان ويُقرب المواقف ويُفكك بعض القضايا العالقة إلا أنه لن يحقق الوحدة الوطنية.

إن أية ممارسة سياسية، بما في ذلك حوارات المصالحة، خارج إطار استراتيجية وحدة وطنية تصبح نوعا من العبث والتهريج أو مجرد إدارة يومية فاشلة لشؤون الناس وللازمات السياسية دون إمكانية تحقيق أي منجز وطني. الوحدة الوطنية تؤسَس على الإيمان بالعقيدة والهوية والثقافة والدولة الوطنية التي تعلو وتسمو على برامج الاحزاب والحسابات الآنية لسلطة وحكومة في ظل الاحتلال، وتُخضع كل العلاقات والتحالفات الخارجية للمصلحة الوطنية. الوحدة الوطنية تحتاج لرجال وقادة حقيقيين وليس لمهرجين ومناكفين ضيِّقي الأفق يوظفون قضية كبيرة كالمصالحة لتحقيق مصالح وحسابات صغيرة. فهل يُعقل مثلا أن تتعثر المصالحة ويصبح مصير الشعب والقضية الوطنية في مهب الريح بسبب رواتب موظفي حماس؟ وهل يُعقل أن يصبح الاهتمام بالحكومة والسلطة والرواتب الخ أكثر أهمية وسابق في الأولوية على التوافق على استراتيجية وطنية لمواجهة الاحتلال وخصوصا ممارساته في القدس والمسجد الاقصى؟!.

الوحدة الوطنية أو المصالحة الوطنية الحقيقية تحتاج لمراجعات استراتيجية وتراجع عن خطوات وإجراءات اتخذتها أطراف الانقسام خلال السنوات الماضية، كما تحتاج لمصالحات تمهد لها، مصالحة داخل البيت الوطني، داخل حركة فتح وداخل منظمة التحرير، ومصالحة داخل بيت جماعات الإسلام السياسي، ولا نقصد بالمصالحة هنا ذوبان الأجزاء في الكل أو تخلى هذه القوى عن خصوصياتها وأيديولوجياتها، بل التوصل لقواسم مشتركة حول إدارة الشأن الوطني العام ومرتكزات المشروع الوطني كمشروع نقيض للمشروع الصهيوني.

بالإضافة إلى الشرط السابق والذي بالرغم من ضرورته إلا أنه قد يبدو للبعض وكأننا نضع مزيدا من العقبات امام المصالحة، وحتى نكون واقعيين، ولأنه لا يبدو في الأفق القريب إمكانية ظهور قوى أو نخب وطنية جديدة، وحتى لا نعود لنقطة الصفر، يمكن الانطلاق مما تم الاتفاق في اتفاق المصالحة وهو "الإطار القيادي المؤقت". ولكن وحيث إن هذا الإطار تم تشكيله بسرعة وتحت ضغط حالة عربية طارئة، لذا وُلِدَ معيبا وفيه الكثير من العوار، بل هناك خلاف على مسماه. لذا فالأمر يحتاج لإعادة النظر في هذا الإطار ليس من حيث الفكرة بل من حيث مكوناته ووظيفته.

الدعوة لمجلس وطني فلسطيني فرصة للخروج من بؤس حوارات المصالحة كما كانت سابقا إلى رحاب العمل الوطني الاستراتيجي لوحدة وطنية حقيقية. إنه من المخجل أن يطالب الفلسطينيون من الدول العربية والإسلامية عقد قمة عاجلة لبحث ما يجري في القدس واتخاذ قرارات في مستوى الحديث، بينما لم يتم التداعي لقمة فلسطينية لبحث المخاطر التي تتعرض لها القدس والمقدسات؟ فهل ننتظر من العرب والمسلمين أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم؟ وان تكون غيرتهم على القدس وفلسطين أكثر من غيرة الفلسطينيين أنفسهم؟

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
ترامب يحصد نتائج ما زرعه أوباما
2017-05-22
مخاض الانتقال من الانقسام إلى الانفصال
2017-05-19
الاحتلال بدأ مع نكبة 48 وليس مع نكسة 67
2017-05-14
حركة حماس ومشروع 'غزة أولا'
2017-05-09
وثيقة حماس: خطوة إيجابية تحتاج لإثبات جدارة وطنية
2017-05-05
المثقفون والمبدعون لا يتقاعدون
2017-04-24
ما زال في الإمكان تدارك الأمر
2017-04-20
الموضوع أكبر واخطر من مسالة رواتب
2017-04-09
قرارات قمة عمان تُخفي أكثر مما تفصح
2017-04-04
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
المزيد

 
>>