First Published: 2015-09-22

البحث عن الزمن اليمني الضائع

 

ايقاع اللغة الحوثية لا يزال فارسيا. من غير المتوقع أن يتمكنوا من اقناع اليمنيين بالحوار معهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كان تاريخ اليمن المعاصر غاصا بالحروب. كانت تلك الحروب دائما أخوية.

قتل الاخوة، بعضهم البعض الآخر، مرة لأسباب عقائدية ومرات بسبب شهوة الحكم.

قُتل رؤساء من غير أن يحاربوا وهرب رؤساء آخرون بعد أن خسروا حروبهم.

حتى الوحدة الطوعية التي حدثت بين شطري اليمن، الشمالي والجنوبي لم تنجُ من جنون الحرب التي لا تزال آثارها ماثلة في الواقع كما في النفوس.

هناك حيف اسمه الحرب جر جزءا من الشعب اليمني إلى أن يكون مهزوما إلى الابد، لم ينفع في علاجه أن يكون الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي جنوبيا.

كانت لغة السلاح فاصلة بين وقتين، لم يكونا هادئين إلا من خلال ترجمة يمنية للغات الآخرى التي اندثر بعضها كما حدث مع اللغة العقائدية في الجنوب أو ظل متماسكا وعاكفا على غموض أهدافه مثلما هو الحال مع لغة القبائل في الشمال.

غير أن الحالة اليمنية تظل أكثر تعقيدا من ذلك التبسيط الذي طرحناه.

فالحروب التي استغرقت زمنا طويلا كانت قد أقفلت الباب في وجه شعب ضائع. فقر ذلك الشعب يتناقض مع كمية السلاح المتاح في الاسواق.

تاريخيا كان اليمن مختبر لغات، لذلك لم يكن مفاجئا أن تضاف لغة السلاح إلى ذلك السجل، بإعتبارها معجزة يمنية خالصة.

فحين يمر مصطلح "حرب اليمن" لابد أن يتساءل السامع "أيهن؟ فهن كثيرات"

اليمن السعيد بخيراته كان في التاريخ المعاصر على الأقل تعيسا بأبنائه. وهم لا يقلون ذكاء عن سواهم من البشر، غير أن ولعهم اللغوي دفع بهم إلى أن يكونوا أسرى لآخر منتجاتهم اللغوية، وهو منتج استطاع تنظيم القاعدة أن يوظفه لبناء مستعمراته المسكوت عنها زمنا طويلا.

لذلك لم يشكل ظهور الحوثيين قوما يقاتلون انحرافا بالمعادلة اليمنية عن خطها التاريخي إلا حين قرروا أن يستثمروا الوقت اليمني الضائع كله لمصلحتهم وحرمان الآخرين منه.

كان مقبولا أن يقاتل أتباع الحوثي في صعدة، فهي مختبرهم الذي يستطيعون من خلاله تجريب صناعتهم اللغوية، أما أن يتمددوا بتلك الخبرة المحلية على كامل التراب اليمني فإن ذلك يشير إلى خروج واضح على أسس اللعبة اللغوية التي اتفق اليمنيون عليها منذ أن انتهت حرب الامامة.

لهذا السبب لجأ الحوثيون إلى لغة الطائفة المحرومة ظنا منهم أنهم يتماهون مع لغة العقيدة التي كانت سائدة في الجزء الجنوبي من اليمن، يوم كان شيوعيا، وهو ما لم يكن منسجما مع المزاج الشعبي اليمني العام في مرحلة يغلب عليها طابع الانتقال من الدولة الشمولية إلى مشروع دولة المؤسسات الذي استمد شرعيته من قرار شعبي، كانت ساحات الاعتصام ملعب لغته.

لقد أجهض الحوثيون حلم شعب نجح لأول مرة في تاريخه أن يهزم حاكما من غير اللجوء إلى لغة السلاح. أما كان لدى الحوثي خيار آخر، غير أن يقع في ذلك الخطأ التاريخي؟

خطأ الحوثيين القاتل يكمن في أنهم قرأوا التاريخ من غير أن ينصتوا لوقع أقدام المنتصرين في ساحات التغيير. وهم في ذلك خذلوا أنفسهم قبل أن يخذلوا الآخرين. كان في إمكانهم أن يساهموا في التغيير بإعتبارهم قوة يمنية صاعدة، غير أنهم اختاروا أن يمروا من خلال الباب الأكثر ضيقا. فكان أن خانت لغتهم سياق اللعبة اليمنية حين صاروا مجرد ذراع ايرانية في اليمن.

يومها تحول بحثهم عن فرصة تاريخية في الزمن اليمني الضائع مجرد أوهام عبثية. لقد ظهروا مثل نبتة وحشية ضالة، وهو ما دفع بهم إلى ارتكاب جرائم وحماقات أخرجتهم بالكامل من المنظومة اللغوية المتعارف عليها يمنيا.

كان ايقاع اللغة الحوثية ولا يزال فارسيا، لذلك فإن من غير المتوقع أن يتمكنوا من اقناع اليمنيين بالحوار معهم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
المزيد

 
>>