First Published: 2015-09-22

المدخنون عنصريون

 

لن تترك صورة رولان بارت أو البير كامو والسيجارة في فميهما أي أثر حقيقي مثلما تركته جملة واحدة مما كتباه. ستبدو الصورة جميلة ومتداولة، لكنها في حقيقة الأمر ليست كذلك لأن صورة اينشتاين وهو يظهر لسانه أكثر أهمية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

الصورة لا تجاري جملة من متن الغريب

ثمة مشهد يبدو واضحا أكثر في شتاء لندن، ويكاد يتكرر منذ حظر التدخين في الأماكن المغلقة، دون أن يثير انتباه الناس، لكنه يترك لديهم إحساسا بالشفقة أو الانزعاج.

رجل يقف أمام باب منزله الخارجي بملابس بيتية ارتدى فوقها معطفا يقيه قسوة البرد، أو امرأة تخرج رأسها من نافذة غرفة في أعلى المنزل أو خلف شباك المطبخ المفتوح، فيما تتجمع مجموعة من الموظفين أمام بنايات الدوائر والمؤسسات في نوبة تدخين تتكرر أكثر من مرة في اليوم من أجل متعة مربكة ومثيرة لإزعاج غيرهم، من أجل وهم اسمه التدخين!

لا أحد من هؤلاء يملك سببا معقولا ليجيب به على سؤال: لماذا تدخن؟ لكنهم جميعا اتهموا السلطات البريطانية آنذاك باتخاذ قرار عنصري عندما حظرت التدخين في أي مكان يحتوي على سقف. اتهمت بالعنصرية لأنها عزلت المدخنين ولم تسمح لهم بإزعاج الناس.

لم يجد الاتهام بالعنصرية أي صدى فيما يعطي قرار الحظر نتائج مبهرة ومفيدة للغالبية من البريطانيين ويشعرون بذلك بمجرد أن تطأ أقدامهم أي بلد آخر يفتقد فيه المدخنون إلى الكياسة والذوق وهم ينفثون دخان سجائرهم في وجه الآخرين.

أتخيل صورة رجل عربي عائد من عمله منهك في حافلة مزدحمة في صيف بلداننا اللاهب ويجاوره آخر لا يبالي به وهو ينفث دخان لفافته ليزيد من سخونة الأجواء.

وأتخيل زوجة فاض الحنق في داخلها من زوج مهمل يدخن ويترك أعقاب السجائر في كل مكان بشكل مقرف، ويصعب هنا قياس درجة المشاعر بينهما مع مرور الوقت وعلاقة ذلك برائحة الفم أو رائحة التدخين، لا فرق!

اينشتاين.. هل كان يدخن؟

كل التنظيرات الإبداعية التي أدرجها الأدباء سقطت ميتة أمام الفعل الحقيقي المزعج للتدخين، ولن تترك صورة رولان بارت أو البير كامو والسيجارة في فميهما أي أثر حقيقي مثلما تركته جملة واحدة مما كتباه. ستبدو الصورة جميلة ومتداولة، لكنها في حقيقة الأمر ليست كذلك لأن صورة اينشتاين وهو يظهر لسانه أكثر أهمية! وهذا يفسر لنا القرار الشجاع في منع إعلانات التدخين في وسائل الإعلام.

لماذا يدخن مطرب يمتلك صوتا جميلا مثلا؟ ألا ينم ذلك عن سوء تقدير لموهبته، هل تكفي كل التبريرات التي يسوغها لإقناع جمهوره؟

المدن التي تحظر التدخين في الأماكن العامة يزداد عددها في العالم وعواصم تحذو حذو أخرى، وتجد تقبلا واستجابة من السكان، ومن غير المهم أن يشعر المدخنون بعنصرية قرار عزلهم، لكن بيوتنا العربية لم تنجح إلى الآن في عزل المدخنين، من يجرؤ على نصح الأب العربي المتسلط في المنزل أن يقف أمام باب المنزل من أجل أن يدخن تحت الشمس الساخنة؟ هل يمكن بعدها أن نتحدث عن نجاح حظر التدخين في بغداد والقاهرة والرياض وتونس؟

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
المزيد

 
>>