First Published: 2015-09-26

لاجئون وما من بلد

 

سيكون السوريون دائما ضيوف الشفقة التي حلت بهم في لحظة يأس.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لاجئو سوريا لن يعودوا إلى بلادهم. سبقهم في ذلك لاجئو العراق الذين عاد البعض منهم بعد الاحتلال الاميركي لأداء بعض المهمات القذرة، مدفوعة الثمن.

حضر اولئك العراقيون بإعتبارهم مواطني دولة أخرى. منحوا أنفسهم امتيازات، ما كانوا يحلمون بجزء بسيط منها لو ترك الامر لكفائتهم وخبرتهم. غير أن الغالبية منهم حزمت حقائبها بعد حين وعادت إلى أوطانها البديلة بعد أن اطمأنت إلى أن شيئا من امتيازاتها الملفقة لن تمتد له يد القانون.

لاجئو سوريا هم اليوم زيت الماكنة الاعلامية في الغرب. أما بالنسبة لسياسيي الغرب فهم المقبلات على المائدة التي يرمي اولئك السياسيون أوراقهم عليها. كان الرهان من قبل على سوريا. صار الرهان اليوم على لاجئيي سوريا. في الحالين لا يزال الرهان سورياً. ولكن هل سيكون ما يحدث اليوم تمهيدا لتكرار سيناريو العراق الذي استغرق تنفيذه ربع قرن وهو ما يعني أربعة أضعاف زمن تنفيذ السيناريو السوري؟

سيكون نوعا من البلاهة لو اعتبرنا مسيرات اللاجئين التي غمرت أوروبا حكاية بريئة، حدثت بطريقة تلقائية، كان عامل الصدفة وحده مَن دبرها.

هذا لا يعني أن المستشارة الالمانية ميركل على سبيل المثال قد طلبت من الرئيس التركي اردوغان أن يلقي بآلاف السوريين في البحر لتكون المانيا منقذتهم وتكون ميركل نفسها ماما الجميع بعد أن كانت ماما أوروبا وحدها.

ولا يعني ذلك أن المجر، وهي دولة طريق تكره أن يطأ اللاجئون أرضها أكثر من فنلندا، لانها حاولت غير مرة أن توقف المسيرات الحزينة التي يعرف منظموها أن ليس لهم مستقر في تلك الدولة الفقيرة.

المسألة أكثر تعقيدا من كل ذلك.

وقد يكون من السذاجة ايضا حصر الموضوع في حاجة المانيا إلى عمال. فمَن قال أن السوريين المهووسين بحق اللجوء ذاهبون إلى العمل؟ لأوروبا تجربة مع الصوماليين الذين لا يكفون عن الانجاب فيما تكاد تكون درجة اندماجهم مع مجتمعاتهم الجديدة صفرا. يغذي الصوماليون عزلاتهم فيما لا تشعرهم أوروبا بالضجر. بالنسبة لأوروبا فإن ما ربحه الصوماليون لا يمكن أن يقارن بما خسروه.

السوريون في طريقهم إلى أن يمروا بالتجربة نفسها.

إنهم يربحون خياما ستكون على هيأة شقق عمالية، كما وعدت المستشارة ميركل في الوقت الذي يفقدون فيه وطنا، كانت بيوتهم فيه يحيطها الياسمين من كل الجهات. ذهب وطنهم المثالي إلى غير رجعة ليحل محله وطن واقعي لن يكون لهم إلى الأبد. سيكونون دائما ضيوف الشفقة التي حلت بهم في لحظة يأس.

يُخيل إلى السوريين الذين وصلوا إلى المانيا أنهم قد نجوا. وهو استنتاج لا يخلو من واقعية. ولكنها واقعية تخون الحقيقة. فنجاتهم قد تمهد لضياع بلد. وهو ما حدث مع العراقيين من قبل.

كان البكاء على مصير اربعة ملايين مشرد عراقي فاتحة لمشروع الغزو الاميركي الذي محا إمكانية أن تعود تلك الملايين إلى وطنها من خلال محو ذلك الوطن.

لم يعد عراقي واحد من تلك الملايين الاربعة إلى العراق.

كان ضياع بلادهم هو الثمن المطلوب لقبولهم لاجئين والذي كان هو الآخر نوعا من الضياع. ربما يبدو الحديث عن ضياع الهوية شيئا من الترف في هذه الازمنة التي يتعرض مصير الإنسان فيها للخطر.

من المؤكد أن ميركل نجحت في اختبارها الاستعراضي. ولكنه استعراض سيدفع ثمنه المستفيدون منه. أولئك اللاجئون الذين قرروا في غفلة منهم أن يسلموا بلادهم لمعادلات دولية سيكونون جزءا منها من غير أن يكون لهم رأي فيها.

لاجئو سوريا هم أرقام. مجرد أرقام. سيتم استعمالها في محو بلد اسمه سوريا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>