First Published: 2015-10-01

مخاطر الانعطافة الروسية في سوريا

 

عمليات التدخل ليست سهلة، كما أن ضبط مساراتها وتوقع نهاياتها المفترضة أمر غير ممكن.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

ظهرت خلال الأسابيع الماضية جملة وقائع، تشي بانعطافة روسية في الأزمة السورية. بداية الأمر التصعيد في مواقف موسكو لجهة دعم الرئيس السوري، بشار الأسد، ذلك من خلال الإعلان عن الدعم العسكري، وبخاصة ما يجري في طرطوس من توسيع القاعدة العسكرية بأبعاد إقليمية إستراتيجية، والإعلان عن استعدادها لاتخاذ مواقف إضافية إذا اقتضى الأمر ذلك، ما استدعى طرح أسئلة من نوع آخر حول دور روسيا المستقبلي في سوريا والمنطقة.

هناك من يعتبر أن الانعطافة الروسية ناجم عن مباركة وتشجيع من بعض الدول العربية، وثمة من يعتقد أن تفاهما روسيا ـ أميركيا ما على ذلك، وهناك من يجزم بأن تورطا روسياً في سوريا سيحصل كالذي جرى إبان حقبة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان. وهناك من يغوص أكثر بالتحليل ويعتبر بأن موسكو ستحاول الحلول مكان طهران، وتحاول استبدال الرئيس بشار الأسد بغيره على غرار، ما حصل في أفغانستان في العام 1978 حين عزلت الرئيس حفيظ الله أمين، وأوصلت بابراك كرمل مكانه. وصولا إلى التكهن بقبول روسيا ببقاء الرئيس الأسد ولو على جزء من سوريا. وفي جميع الأحوال والتكهنات، من المبكر التأكيد على هذه الخيارات وإمكانية الوصول لها، باعتبار أن موسكو ليست قادرة لوحدها على تقرير تلك الفرضيات مستقبلا.

وبصرف النظر عن أي حال من الأحوال السالفة الذكر، من الصعب فصل الأزمة السورية عما يجري في أوكرانيا، وفي غير منطقة تحاول موسكو التمدد أليها، فهي كل لا يتجزأ في مسيرة الطموحات الروسية للعودة كقطب فاعل في مواجهة الولايات المتحدة، أو اقله حجز مركز ضمن المراكز المتعددة المحتملة للنفوذ الدولي.

فالقيادة الروسية، تعتبر وقوفها إلى جانب النظام السوري وعدم تأييد الغرب في محاولاته لإسقاط النظام، هي محاولة لعدم انتقال الحرب مباشرة إلى حدودها، كما هي محاولة لعدم وصول الجماعات المتطرفة أليها والى المناطق ذات البعد الحيوي لها. هذه المواقف تعززها السياسة الروسية الجديدة في سوريا، وهي محاربة الإرهاب في المنطقة لكن ليس تحت المظلة الأميركية وليس وفقا لشروطها، ومغزى الأمر، أن موسكو تعتبر بقاء الرئيس الأسد هو جزء من محاربة داعش، بمعنى أن مصيره يمكن أن يتحدد في مرحلة تالية، ولو بعد انتخابات برلمانية وحكومة تضم بعض المعارضة.

في الواقع، من الصعب ولوج روسيا منفردة في محاربة الإرهاب في المنطقة، وان تأمنت بعض ظروف المواجهة، فهي مضطرة بشكل أو بآخر للتنسيق مع أطراف أخرى ومن بينها الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية ومن بينها بالتأكيد طهران وأنقرة وحتى تل أبيب، وبالتالي ستكون مضطرة للتعاطي مع ظروف معقدة لجهة تشابك المصالح وتضاربها، الأمر الذي سيصعب من فرض رؤيتها وبرامجها كاملة.

وفي الواقع إن الأمر لا يقتصر على ذلك، فعمليات التدخل ليست سهلة، كما أن ضبط مساراتها وتوقع نهاياتها المفترضة أمر غير ممكن، وعليه إن انزلاق الأمور إلى أماكن غير محسوبة، هي أمور مفترضة كما هي مؤكدة، الأمر الذي يطرح أسئلة من نوع آخر، حول التدخل الروسي ومآلاته ونتائجه، سيما وان سابقة التدخل السوفياتي في أفغانستان، لا تزال ماثلة في أذهان الروس إلى يومنا هذا، وهو أمر يقض مضاجع القيادة الروسية في حال تم الوصول إلى تلك الخيارات.

في أي حال من الأحوال، ثمة متغيرات ملحوظة قد بدت في المواقف الروسية مؤخرا في الأزمة السورية، وهي مواقف من نوع تأخذ موسكو باندفاعة، من الصعب التكهن بتطوراتها ونتائجها القريبة والبعيدة المدى، وهي من القضايا التي تستلزم التشاور مع أطراف آخرين، وهذا ما تم ترتيبه بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي، باراك أوباما، في نيويورك على هامش أعمال الأمم المتحدة، وهي بالتأكيد كانت مناسبة ربما للتهويل بقرع الطبول، قبل سماع العبارات الدبلوماسية المنمقة لا سيما وأن خيارات موسكو باتت ضيفة وتلعب في سوريا سياسة حافة الهاوية، وهي سياسة فيها الكثير من المغامرة والمقامرة في السياسات الدولية، وبخاصة في منطقة هي من أشد المناطق حساسية في العالم، فهل المواجهة قادمة؟ أم أن بركان الشرق الأوسط لا يزال هامدا؟ في السياسات الدولية التي تتخذ طابع الارتجال وان كانت قليلة، فهي تهيئ لأوضاع اشد إيلاما وقسوة على شعوبها، وبخاصة إذا كانت مصالح الشعوب لا تتقاطع مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في المنطقة.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
تحديات الأمين العام للأمم المتحدة
2017-01-11
الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2334
2017-01-09
مآلات العقوبات الأميركية على إيران والاتفاق النووي
2016-12-20
المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
2016-10-13
الأمم المتحدة وقمة اللاجئين
2016-10-07
مثلث القوة الناشئة والأزمة السورية
2016-10-05
مثلث القوة الناشئة والأزمة السورية
2016-09-15
بين انجيرلك وهمدان
2016-09-06
المزيد

 
>>