First Published: 2015-10-01

حلف بغداد الجديد الحرام الحلال

 

شتان بين رد فعل العراقيين على حلف بغداد 1957 وحلف بغداد 2015.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إبراهيم الزبيدي

أصبحت الخيانة الوطنية، والاستقواء بالدول الأجنبية، والتخابر معها، والتوظف لدى مخابراتها بصفة وكلاء، أمرا عاديا غير معيب، وغير مستنكر، ولا مستهجن في العراق. يجيزه ويشرعنه كل فريق من أرباب السياسة، شيعة وسنة وأكرادا وتركمانا وصابئة وأيزيديين، بحق الدفاع عن النفس، وضرورات حماية المحرمات المهددة بالمصادرة والاغتصاب. رغم أن دستورهم الذي يتمسكون به ويرفضون تعديله يعاقب على التخابر، أو التعامل مع دولة أجنبية، دون إجازة أو ترخيص.

لم يكن يحدث في العراق، في كل عهوده البائدة، أن يتباهى رئيس لجنة الامن والدفاع في مجلس النواب، حاكم الزاملي، (وهو من التيار الصدري وليس من دولة القانون ولا من بدر ولا العصائب ولا حزب الله العراقي)، في تصريح صحفي علني بأن الخبراء الإيرانيين والروس قد وصلوا الى العراق، تمهيدا لبدء عمل التحالف الرباعي بين العراق وسوريا وايران وروسيا مؤكدا أن "بعدما تبين أن أميركا غير جادة، وفشلت مع التحالف الدولي في القضاء على تنظيم داعش الذي اصبح يتمدد ويهدد العراق."

وكان رئيس مجلس الوزراء، حيدر العبادي، قد اكد، في وقت سابق، أن حكومته أنشأت مركزاً لجمع المعلومات الاستخبارية للتصدي لتنظيم داعش الإرهابي بالتعاون مع روسيا وسوريا وايران والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

يحدث كل هذا ولا يتظاهر أحد، ولا يهتف، حزب عراقي أو جريدة أو عشيرة أو طائفة أو مرجعية احتجاجا على هذه "العمالة" العلنية المعيبة.

في العام 1957 تأسس حلف بغداد على هيئة اتفاق عسكري في بداية أمره بين العراق وتركيا، ثم انضمت إليه كل من بريطانيا وباكستان وإيران (الشاه) في نفس العام، بالاضافة إلى الولايات المتحدة التي لم تكن عضويتها كاملة في سنواته الأولى، لمواجهة التوسع السوفيتي في دول الشرق الإسلامي، ولمحاربة الشيوعية الزاحفة بقوة إلى المنطقة.

وكان الملك حسين راغبا في الانضمام إلى هذا الحلف، إلا أن الغضب الشعبي الأردني الفلسطيني أشعل الأردن بالتظاهرات الصاخبة، الأمر الذي حرم الملك حسين من تحقيق تلك الرغبة.

كما وضعت مصر عبدالناصر كل طاقاتها الإعلامية والسياسية لمحاربة الحلف الذي يهدد فكرة عبدالناصر بالحياد الإيجابي ومنظمة دول عدم الانحياز.

ثم كان موقف سوريا من سياسة الاحلاف مشابها لموقف مصر، الأمر الذي عرضها لتهديد عسكري من تركيا والولايات المتحدة أيضا التي كانت هي المحرك الحقيقي للتحرشات التركية العسكرية بسوريا.

بالمقابل أعرب الاتحاد السوفيتي عن استعداده لدعم الدول المعارضة لحلف بغداد عسكريا واقتصاديا. في حين كانت الاحزاب الشيوعية تمتد داخل هذه الدول بدعم مباشر وحقيقي من موسكو.

لقد اشتعل العراق يومها بالغضب الشعبي العارم، وتوحد التقدميون مع الرجعيين، البعثيون والقوميون العرب مع القوميين الأكراد، اليمينيون والإخوان المسلمون مع اليساريين والشيوعيين، النقابات والجمعيات والمنظمات الثقافية كلها، ضد ذلك الحلف "العميل" متهمين الحكم الملكي بالخيانة العظمى التي لا تغتفر.

والذين عاصروا تلك الأيام يتذكرون النساء والشبان اليافعين والشيوخ في صدارة المتظاهرين. ويتذكرون أيضا صمود الجماهير بوجه رصاص الشرطة والأمن وهرواتهم التي لا ترحم. فقد امتلأت السجون والمعتقلات بمئات الآلاف من المواطنين، على اختلاف أعمارهم ومهنهم وأحزابهم، وتجاوزت أعداد المنفيين من مدنهم وقراهم إلى مدن وقرى عراقية نائية، أو إلى دول مجاورة، عشرات الآلاف، وأسقطت الجنسية عن كثيرين.

وأكثر من ذلك. لقد تأسست في العراق والدول العربية المجاورة أحزاب وحركات سياسية وثقافية متخصصة بالنضال من أجل التحرر من سياسة الأحلاف "الاستعمارية"، والعمل على إسقاط أنظمة دول حلف بغداد.

أما ما يحدث اليوم في العراق فلا يثير الاستغراب والاشمئزاز فقط، بل يشير إلى تحول خطير في نفسية المواطن العراقي وعقليته ومزاجه، يشكل هزيمة حقيقية لفكرة الانتماء الوطني، وتسيُّداً لثقافات الولاء الطائفي والعشائري والمناطقي، وشرعنة الاستقواء بالعامل الخارجي، والاعتماد عليه في تشكيل الهويات الجديدة وحمايتها من الذوبان في الوطنية التي لم تعد تنفع أحدا في شيء.

بالمقابل يتفانى قادة النظام العراقي الديمقراطي الجديد، كلهُم، في المطالبة بتحقيق المصالحة الوطنية، لإعادة ترتيب البيت "الحاكم" من الداخل، وليس لإعادة بناء الوطن ولا المواطن.

فلن تكون هناك مصالحة وطنية حقيقية ومدنية ومستقبلية بين فؤاد معصوم ونوري المالكي وأياد علاوي وحيدر العبادي وإبراهيم الجعفري وأسامة النجيفي وصالح المطلق. فهم جميعا لاعبون صغار لا يقررون ولا يحكمون ولا ينفذون. ونحن وهم والعالم كله يعلم بأن من يقرر ويحكم وينفذ هم الخبراء القادمون من وراء الحدود، من إيران وروسيا وسوريا ولبنان، وبحماية هادي العامري وقيس الخزعلي وأبو مهدي المهندس. و"سلامٌ على هضبات ِ العراق ِ … وشطـّـيه ِ والجُرف ِ والمنحنى".

 

إبراهيم الزبيدي

 
إبراهيم الزبيدي
 
أرشيف الكاتب
الخميني في الموصل وتكريت
2017-07-17
العراق إيراني
2017-07-11
كردستان وهواية مصارعة الثيران
2017-06-27
حيدر العبادي وسياسة 'ما يطلبه المستمعون'
2017-06-20
نورييغا العراق
2017-06-03
قطر وسياسة العضلات المستعارة
2017-05-29
زلزال الرياض يحشر روحاني في الزاوية
2017-05-25
من الهلال إلى البدر الشيعي 'المنتظر'
2017-05-19
أم الخسائر
2017-05-06
دولة كردستان العراق، تكون أم لا تكون؟
2017-04-14
المزيد

 
>>