First Published: 2015-10-02

كلّ هذه الحروب التي يخوضها الأردن!

 

يفترض مِن مَن يريد محاربة الإرهاب فعلا ان يبدأ بنفسه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

قليلون يتجرّأون على قول ما يقوله الملك عبدالله الثاني. لا يكتفي العاهل الأردني بالتأكيد أنّ هناك مسؤوليات يتحملّها المسلمون ودورا عليهم أن يلعبوه في الحرب على الإرهاب والتطرّف بكلّ اشكالهما. يذهب العاهل الأردني إلى ابعد من ذلك برسم خريطة طريق من سبع نقاط للإنتصار في هذه الحرب.

لم يتردّد عبدالله الثاني في القول من منبر الأمم المتحدة ان الحرب على الإرهاب و"الخوارج" هي "حربنا كمسلمين، وهذا واجبنا". اراد القول أنّه يجب ان لا يكون هناك أي تهرّب من تحمّل المسؤوليات تحت أي ذريعة، لا عربيا ولا اسلاميا.

يفترض مِن مَن يريد محاربة الإرهاب فعلا ان يبدأ بنفسه. هذا ما يؤكده العاهل الأردني الذي يبدأ خطابه بالإعتراف بأنّ "مستقبل هذا العالم، كما نتطلع اليه جميعا، يتعرّض لتهديد خطير من الخوارج، اولئك الخارجين عن الإسلام وقيمه الإنسانية النبيلة، والذين وصل بهم الأمر اليوم إلى تهديد المجتمع الدولي باسره".

تتضمن خريطة الطريق التي رسمها عبدالله الثاني للذين يريدون بالفعل مواجهة "داعش" واخوانه واخوته، كما يفعل الأردن، "العودة إلى الأصول" أوّلا. أي إلى "الجوهر والروح المشتركة بين الأديان وبين معتقداتنا". تدعو النقطة الثانية في خريطة الطريق التي رسمها خطاب عبدالله الثاني إلى أن "نغيّر لهجة خطابنا". اشار هنا إلى أنّه لاحظ في احدى جولاته الأخيرة لافتة على جانب الطريق كتب عليها "خافوا الله"، ثم عبارات مماثلة أخرى، وصولا إلى عبارة "أو الجحيم هو المأوى". تساءل العاهل الأردني امام هذا المشهد: "متى وكيف تسلّل الترهيب إلى خطابنا بدل محبّة الله".

تطرقت النقطة الثالثة في خريطة الطريق الأردنية إلى "ترجمة معتقداتنا إلى افعال" والرابعة إلى "الإعتدال" والخامسة إلى "كشف الزيف والخداع على حقيقتهما". قال عبدالله الثاني في هذا المجال: "عندما ننظر إلى دوافع هؤلاء الخوارج، الخارجين عن الإسلام، بل إلى دوافع المتطرّفين في جميع انحاء العالم، نجد انّ شهوة السلطة والسيطرة على الناس والأموال والأرض هي محرّكهم".

تبرز من خلال النقطة السادسة فكرة التسامح. والتسامح يعني تحمّل القادة لمسؤولياتهم و"اتخاذ موقف واضح وعلني من التطرّف، مهما كان نوعه او شكله. وهذا يشمل احترام جميع اماكن العبادة من مسجد او كنيسة او كنيس". هذا حفيد رسول الله يدعو إلى احترام اماكن العبادة ذاكرا الكنيسة والكنيس.

لم ينس العاهل الأردني القدس، من منطلق أنّ "لا مكان أهمّ وأكثر تأثيرا لتجسيد هذا الإحترام والتعايش من مدينة القدس، حيث الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية واجب مقدّس. وهنا نضمّ صوتنا إلى المسلمين والمسيحيين في كلّ مكان رافضين التهديدات التي تتعرّض لها الأماكن المقدّسة والهوية العربية لهذه المدينة".

على من يريد المشاركة في الحرب على الإرهاب وأن يكون فعّالا في الوقت ذاته، مواجهة التطرّف على كلّ المستويات. لذلك، ركّز عبدالله الثاني في النقطة السابعة والأخيرة من خريطة الطريق على "التواصل". وهذا يعني في طبيعة الحال مواكبة التطوّر الذي تشهده شبكة التواصل الإلكتروني، أي الإنترنت.هناك الآن "الإنترنت الإنسانية" التي تمثّل "أعلى درجات التواصل الذي يوحّد ضمائرنا ويجمعنا على قضيّة واحدة". حذّر العاهل الاردني في الأمم المتحدة من خطورة استخدام "داعش" والتنظيمات الإرهابية لـ"الإنترنت" من اجل اغراء الشباب المسلم ومن قدرة هذه التنظيمات على ذلك.

هناك دعوة اردنية صريحة إلى الإرتقاء في الحرب على الإرهاب وعدم تفويت اي فرصة من اجل القضاء على هذا الخطر. هناك بكلّ بساطة سبع خطوات تقود إلى "عالم اكثر امنا وقوّة ويسود فيه التعايش والمشاركة بين الجميع، فضلا عن الإزدهار والسلام".

مرّة أخرى، اظهر الأردن، على الرغم من التحديات الضخمة التي تواجهه، أنّ لديه القدرة على لعب دور طليعي في كلّ المجالات. كان ملفتا ما فعله العاهل الأردني في بداية زيارته لنيويورك. قام بجولة في مصنع للأدوية تابع لشركة اردنية. صار الأردن موجودا على الخريطة العالمية لإنتاج الأدوية من خلال جهود لمواطنيه. هذا يؤكّد أن المملكة تتطوّر وأنّ ابناءها يمتلكون قدرات كبيرة على تحسين الوضع الإقتصادي للبلد من جهة وعلى الإرتباط بكل ما هو حضاري على الكرة الأرضية من جهة أخرى.

في منطقة تهبّ عليها العواصف من كلّ حدب وصوب، لا يكتفي الأردن بتحصين نفسه وخوض الحرب على الإرهاب في الوقت ذاته. إنّه يطرح افكارا جديدة من أجل القضاء نهائيا على "داعش". يسعى عبدالله الثاني بكلّ بساطة إلى رفع لمستوى المواجهة مع الخطر الإرهابي، من دون تجاهل المسؤوليات التي تقع على المسلمين في هذا المجال.

لا يكتفي الأردن بالشكوى من العبء الثقيل الذي يتحمّله في ظل تدفّق اللاجئين السوريين على اراضيه، بعدما بات هؤلاء يشكلون نسبة عشرين في المئة من السكان. إنّه يتابع ايضا الإصلاحات الداخلية. كان طرح قانون جديد للإنتخابات، يكون بديلا من القانون الحالي الذي يقوم على الصوت الواحد، أي ان التصويت يقتصر على مرشّح واحد، دليلا على أنّ التطورات الإقليمية المتسارعة لا تعني الإنشغال عن الهمّ المحلّي. هناك باختصار سعي الى سدّ كلّ الثغرات التي يمكن ان يتسلل منها الإرهاب والتطرف.

الثابت أنّ على من يريد بالفعل سدّ هذه الثغرات خوض حروب على جبهات عدة بدءا بالإصلاحات الداخلية وصولا إلى المواجهة مع حكومة اسرائيلية تعمل من اجل فرض واقع جديد في القدس.

يخوض الأردن كلّ هذه الحروب التي تشمل بالطبع الإهتمام بالإقتصاد والتعليم وتتطلب خطابا سياسيا جديدا متجددا على نسق ذلك الذي القاه عبدالله الثاني في الأمم المتحدة.

من كان يصدّق أن المملكة ستكون قادرة على مواجهة كلّ تلك الحروب في آن، خصوصا في ظلّ ما تشهده سوريا وما يشهده العراق وفي ظل غياب القيادة الأميركية واصرار ايران على الإستمرار في مشروعها التوسّعي القائم على الإستثمار في الغرائز المذهبية؟

من يتمعّن في كلّ تلك الحروب وتفاصيل كلّ منها، يتأكّد من شيء واحد، هو أن لا شيء يحدث بالصدفة وأنّ الصيغة الأردنية التي استخفّ بها كثيرون وصولا إلي الكلام عن "مملكة مصطنعة"، هي أقوى بكثير مما يعتقد. الاردن ليس حاجة اقليمية فقط، بل يبدو اليوم، اكثر من اي يوم، أنّه لاعب اساسي في المنطقة، على الرغم من امكاناته المتواضعة وثرواته التي لا تذكر.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>