First Published: 2015-10-05

ليس الكذب صناعة روسية

 

تعلم الزعماء الروس تقنيات الكذب الغربية لتبرير كل شيء.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يعرف الزعماء الروس أن يخاطبوا الغرب بلغته وإن كانت تلك اللغة تبدو غير معهودة على اللسان الروسي. هناك نوع من السخرية يُظهرها الروس وهم يردون على الغرب من غير أي تحريف للغته.

رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيدف وصف العمليات العسكرية الروسية في سوريا بأنها دفاعية لحماية الشعب الروسي. وهي جملة استعارها المسؤول الروسي من القاموس الغربي.

ميدفيدف يعرف أنه يكذب. هل أراد أن يبلغ الغرب بقدرته على أن يكون منافسا لسياسييه في الكذب؟

في كل الحروب التي خاضتها ألولايات المتحدة منذ بدء الالفية الثالثة كان شعار "حماية الشعب الاميركي" هو الوسيلة التي ضللت بها الادارة الاميركية الرأي العام في الولايات المتحدة بشكل خاص وفي الغرب كله بشكل عام.

وهي فرية أراد ميدفيدف أن يستعملها ليرد بها على الاعتراضات الحيية التي صدرت من الغرب في مواجهة التدخل العسكري الروسي في سوريا. لقد أراد القول "ما هو حلال عليكم لا يحرم على الآخرين".

منطق فيه قدر كبير من الاستهتار بالحقيقة. فالتنافس هنا يتم على حساب مصائر الشعوب. أيام الحرب الباردة كان التنافس بين العملاقين قائما بضراوة وكانت الشعوب تدفع ايضا ثمن ذلك التنافس، غير ان أحدا من الطرفين لم يكن يجرؤ على الحديث عن حماية شعبه عن طريق التضحية بالشعوب الآخرى.

كانت لغة المصالح هي الطاغية. هناك مصلحة للولايات المتحدة في كوريا الجنوبية تقابلها مصلحة للاتحاد السوفييتي في كوبا. وهكذا فقد كان العالم يعيش على وقع تلك المضاربات التي منحته في لحظة ما نوعا من التوازن الملفق. غير أن الالفية الثالثة جلبت معها إلى شعوب العالم مصيبة مختلفة تماما عن كل المصائب القديمة.

لقد ابتدأ جورج بوش الابن هذه الالفية بحرب استمدت حيويتها من قدرته على الكذب. لقد كذب الرجل على شعبه قبل أن يكذب على العالم.

بعد سنوات سيطل رئيس أقوى دول العالم عسكريا ليعترف "نعم. كذبت" اعترف لأنه يعرف أن اعترافه لا معنى له. فالشعبان اللذان حطم دولتهما يقيمان إلى الابد في متاهة كذبته. بالنسبة للرأي العام الاميركي، في غالبيته فإن الرجل كان قد كذب عن حسن نية. كان يريد أن يحمي الشعب الاميركي فأضطر إلى اللجوء إلى الكذب.

في حالة روسيا فإن ميدفيدف لا يوجه خطابه إلى الشعب الروسي، فهو يعرف مسبقا أن صناعة الرأي العام في روسيا لا تتم بالطرق الأوروبية. هناك آلية مختلفة ورثتها روسيا من الاتحاد السوفيتي. تلك الآلية تسمح للكرملين في اتخاذ قرارات مصيرية من غير العودة إلى الشعب.

الزعيم الروسي وإن كان يبدو جادا وحازما وباردا مثل مرآته بوتين فإن جملته تكشف عن سخرية من تاريخ من البلاغة الغربية الكاذبة. فهو يكذب بالطريقة نفسها التي يكذب سياسيو الغرب من خلالها. فإن كانت حماية الشعب الاميركي جائزة بالنسبة لبوش الابن فلمَ لا تجوز حماية الشعب الروسي بالنسبة لبوتين؟

ينبغي أن لا يذهب بنا التحليل إلى توقع عودة مبهمة إلى سنوات الحرب الباردة. فالغرب وروسيا معا تعلما الدرس جيدا. فأوهام الصراع القديم صارت تجدد هواءها في أمكنة آخرى تقع خارج أوروبا. لذلك فإن أي حديث عن حرب عالمية ثالثة لابد أن يستثني أوروبا من أضرارها. تلك الحرب وهي واقعة فعلا يمكن أن تنسف شعوبا بأكملها من أن يشعر الشعبان الأميركي والروسي بأن شيئا ما نقص في الحياة.

لم يكن ميدفيدف مضطرا إلى تقديم تفسير لتدخل بلاده عسكريا في سوريا، غير أنه آثر أن يدخل التاريخ بكذبة، كان الغربيون يودون سماعها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
المزيد

 
>>