First Published: 2015-10-05

من أنتم، الإعلام ليس حكرا عليكم

 

مثل هذا السؤال يطلق اليوم بأقوى ميكرفون يصل صوته إلى أقصى القرى النائية في العالم، سؤال يمتلك من التحدي والجرأة والصلافة ما يصعب الوقوف أمام ضجيجه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يطلق كم هائل من المساهمين في صناعة الإعلام بشتى وسائلة مثل هذا السؤال على من يمتهن الإعلام كحرفة، من أنت كي تحدد لنا ما هو المقبول وغير المقبول في صناعة الخطاب.

لم يعد الإعلام حرفة نخبة معينة ولا يمتلك أسوارا يصعب اجتيازها، فكل من يمتلك رابطا يوصله إلى الإنترنت هو إعلامي بطريقة ما.

ومع أن مثل هذا السؤال يمتلك مشروعيته في زمن جيل الويكيبيديا، الذي أنزل الصحفي من برجه العالي وجعله شريكا وربما أدنى منزلة من المواطن الصحفي، إلا أن بعض مطلقي مثل ذلك السؤال يفتقدون إلى أدوات الإقناع في تسويغ مشاركتهم في صناعة الإعلام.

وأيضا إذا كان الصحفيون يزدرون تلك القدرات للمواطن الصحفي ولا يعطونه ما يستحقّه من الاهتمام، فهم لا يؤخذون مأخذ الجد من طرف مستعملي الإنترنت.

من السهولة معرفة دوافع التسلية ومحاولة إثبات الذات لدى بعض المشاركين في الفضاء الإعلامي، كما من المقبول أن تجد جهات سياسية أو اجتماعية تدافع وتروج لخطابها والدفاع عن مصالحها في وسيلة إعلامية، وهؤلاء يحذرون من إطلاق سؤال من أنتم في وجه الإعلاميين، لأنهم يهدفون أصلا إلى إقناع من يسهّل لهم تقديم مثل هذا الخطاب بوسائل مؤثرة.

لكن مثل هذا السؤال يطلق اليوم بأقوى ميكرفون يصل صوته إلى أقصى القرى النائية في العالم، سؤال يمتلك من التحدي والجرأة والصلافة ما يصعب الوقوف أمام ضجيجه، إنه سؤال الملايين المشاركة في صناعة محتوى الفضاء المعلوماتي بكل ما يحتويه من ثقافة واطئة مخيفة وقادرة على تغيير المجتمعات بشكل جذري في سنوات ما لم يكن من قبل بمستطاع عقود أن تفعله.

إذا كان اكتشاف المحرك البخاري قد نقل العالم إلى مرحلة متقدمة بصفتها فاصلة زمنية، فإنها استغرقت عقودا كي تصل بنا إلى قطار بسرعة الصوت، بينما الفواصل الزمنية في تطور التكنولوجيا الرقمية أصغر من أن تشغل متن التاريخ عند العودة إليها، فما بين الجيل الأول والرابع من الهواتف الذكية، لم تتشكل ملامح جيل بشري، فيما التقدم التكنولوجي يتصاعد باطراد مخيف.

الكم المتدفق من المعلومات المقدم على الإنترنت فوق طاقة البشر اليوم، ومع ذلك لا يشعر إريك شميدت المدير التنفيذي لمحرك البحث العملاق غوغل بالقلق، ويترقب أن يصل الإنترنت إلى أقصى القرى النائية ويتضاعف عدد مليارات المستخدمين.

وسبق أن أكد بيان الإنترنت الذي أصدرته نخبة من الصحفيين والمهتمين بالإعلام الرقمي، على صيانة الحرية والبقاء للأفكار المتجددة على اعتبار أنّ الصحافة في حاجة إلى منافسة مفتوحة لإيجاد أحسن الحلول.

فالإنترنت تلغي الحواجز التكنولوجية بين المبتدئين والمحترفين، لهذا يتوّجب على امتياز حرية الصحافة أن يكون مكفولا لكل شخص يمكنه المساهمة في إتمام المهام الصّحفية بلغة الجودة، لا يجب أن توضع فوارق بين الصحفي المهني وغير المهني (من حيث الدّفع) ولكن بين الصحافة الجيدة والصحافة الرديئة.

ومثل هذا الأمر الذي أقره البيان في أحد بنوده قبل ستة أعوام في لقاء عقد بألمانيا، يتردد أمام صعود الرداءة على حساب الجودة، وذلك يفسر التساؤلات المتصاعدة اليوم بوجه مارك زوكيربرغ عن الجهد المبذول في مكافحة العنصرية على فيسبوك.

إذا كانت العنصرية تمثل أعلى درجات الخطر على المجتمعات، فإن قائمة طويلة من الرداءة في المحتوى المتدفق تمتلك من الخطر ما يجعل الكلام عن صيانة الحرية -وفق بيان الإنترنت- أشبه بتهديد للجودة والأفكار المتجددة.

من يكفل الحرية في صناعة محتوى يصيب المستخدمين بالمرض! لا كافل للحرية على الإنترنت لأنها مصونة بذاتها، لذلك فشلت كل الإجابات السابقة ومازالت عن سؤال من يتحكم بالإنترنت.

وبالنّسبة إلى غالبية النّاس في العالم، المنصّات المعرفية، الوسائط الإعلامية والشبكات الاجتماعية كلّها جزء من الحياة اليومية، بل إن استعمالها أضحى أكثر بديهية من التلفزيون، ولنا أن ندرك ما معنى أن يكون الهاتف المحمول تلفزيونا متنقلا في اليد وظيفته بث كل ما يلتقطه من هراء وذي قيمة!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
المزيد

 
>>