First Published: 2015-10-06

مَن المستفيد من تدمير الإرث الحضاري؟

 

كل ما شيده البناة الخالدون عبر التاريخ بات في مهب ريح الحقد والكراهية والتخلف والظلام. داعش يكمل في تدمر ما بدأته الدبابة الأميركية في متحف بغداد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بلاد ما بين النهرين مهددة بأن لا يبقى منها شيء.

ستكون ذاكرتها ورقية ولن يبقى منها حجر على حجر. كل ما شيده البناة الخالدون عبر التاريخ بات في مهب ريح الحقد والكراهية والتخلف والظلام.

المتاحف العالمية في لندن وباريس وبرلين ستبقي شيئا من أثر لحضارات اندثرت، بل أن شيئا منها لن يبقى صامدا في مكانه، شاهدا على عبقرية شعوب شاء حظها العاثر أن لا يكون ورثتها أوفياء لذكراها.

ولكن حضارات بلاد ما بين النهرين هي ليست إرثا محصورا بالعراقيين والسوريين. هي إرث البشرية كلها منذ أن غمر شعاعها العالم بأسره.

فالعراقيون والسوريون الحاليون ليسوا سومريين أو آشوريين أو بابليين أو انباطا. تلك شعوب أغلقت خزاناتها على جمال صنيعها الحضاري وغابت. لم يبق منها إلا الجمال الذي يذكر بأناقتها وكرمها وخيرها وحكمتها وقوة خيالها.

الجمال الذي تركته تلك الشعوب إرثا تقع مسؤولية الحفاظ عليه على عاتق كل إنسان، يرى أن مستقبل البشر انما يتشكل من تلك اللحظات الخالدة التي علا فيها صوت الالهام المبشر بالخير عبر العصور.

لذلك كانت منظمة اليونسكو صارمة وهي تدرج أماكن كثيرة في سوريا والعراق ضمن لائحة الارث الإنساني. وهو إرث لا يحق لإي إنسان التصرف به. ما يجعل من العراقيين والسوريين حرسا على آثار حضارات تعهدت البشرية كلها بالسهر عليها وصيانتها وحمايتها من عاديات الزمان.

غير أن ما حدث خلال الاخيرة يناقض كل تلك التعهدات والمواثيق.

حين احتلت الولايات المتحدة العراق تم اقتحام بوابة المتحف العراقي بدبابة أميركية وهو ما يسر للصوص اقتحام المتحف وسرقة آثار مهمة، لا يزال الجزء الأكبر منها مفقودا، وإن كان الحاكم الاميركي بريمير قد أعاد افتتاح المتحف في مسرحية لم يُكتب لها النجاح بسبب رثاثة النص.

لقد اسست تلك الحادثة القاسية لمبدأ استباحة الآثار، فصارت الكثير من المناطق الأثرية في العراق عرضة لهجمات عصابات منظمة، كانت خيوط ارتباطها تقود دائما إلى مؤسسات تمارس عملها في تجارة الآثار المنهوبة خارج العراق.

لم يتوقف الامر عند حدود السرقة بل تعداها إلى التدمير.

وهو الامر الذي تكفل بالقيام به تنظيم داعش الارهابي حين انقض بمعاول التدمير ووسائل النسف الشامل على الآثار الآشورية العظيمة في الموصل التي صمدت ثلاثة الاف سنة أمام تحولات الطبيعة.

الآن يقوم التنظيم الارهابي نفسه بتدمير آثار مدينة تدمر وهي أعز ما تملكه سوريا من نفائس نادرة، كان في إمكانها دائما أن تجيب على سؤال من نوع "ما الذي تعنيه سوريا بالنسبة لتاريخ البشرية؟" شيء من هذا القبيل يجري اليوم محوه من على الأرض، ليكون التاريخ مجرد حكايات شفاهية قابلة للنقض، لإنها لا تملك السند المادي الذي يؤكد وجودها.

وكما يبدو فإن تدمير الآثار في المنطقة هو فقرة تحتل مكان الصدارة في أجندة التنظيم الارهابي التي تنطوي على الكثير من المعرفة، بالرغم من أن التنظيم نفسه يتألف من مجموعات من هواة القتل واللصوص وقطاع الطرق والمتاجرين بالبشر.

فهل ينفذ داعش مخططا شريرا، رُسم له ليكمل به ومن خلاله دوره التآمري في تقديم صورة حية عن الاسلام الارهابي الذي لا يكتفي بالبشر، بل يذهب بقسوته إلى الحجر حين يعادي التاريخ؟

ولأن داعش ليس له مشروع حقيقي على الأرض، فهو لا يملك مقومات البقاء إن انتهت الفوضى فإن الاجابة على ذلك السؤال لن تكون صعبة. ولكنها اجابة لا تروق لمَن تصيبهم نظرية المؤامرة بالأرق.

غير أن الأمر هنا يتعلق بواجب أخلاقي تم التنصل منه. وهو واجب يلزم المجتمع الدولي بالتصدي لكل محاولات تدمير الآثار أو سرقتها. ولأن داعش يقوم بذلك مطمئنا تحت الحملات الجوية التي يزعم القائمون عليها أنهم يرغبون في تدميره، فإن الشكوك سيكون لها محل في دائرة الفهم.

أيكمل داعش في تدمر ما بدأت به الولايات المتحدة يوم اقتحمت احدى دباباتها المتحف العراقي؟

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سوريا في ظل استراحة المحاربين
2017-07-27
وساطة الاخواني المخادع
2017-07-26
في العراق شعب سعيد
2017-07-25
لبنان في مواجهة ذهب المقاومة الزائف
2017-07-24
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
المزيد

 
>>