First Published: 2015-10-08

فضفضة المصري الحزين

 

يتوقف المصري البائس، عند مجموعة كبيرة من القضايا، تؤكد عمق الفجوة بين الرئيس ومن يحلو لهم ادعاء الحديث باسمه متسببين بصخب ولغط في البلاد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

من أهم مزايا الحراك الكبير الذي حدث خلال السنوات الماضية، أنه جعل قطاعا واسعا من المصريين لديهم وعي سياسي، واهتمام بكل ما يدور حولهم، في الداخل والخارج، ولم تصبح المشاركة، المادية والمعنوية، قاصرة على فئة محددة، ولم يعد التفاعل مع الواقع وتعقيداته، محصورا في طبقة، فرضت عليها الظروف أن تنخرط في مجال السياسة.

في أي وسيلة مواصلات، أو مقهى أو مطعم أو زملاء في العمل، يمكن أن تجد شخصا أو أكثر ملما بأمور سياسية تبدو دقيقة، كان من الصعوبة على أمثال هؤلاء متابعتها، ربما تكون التطورات التي مرت بها البلاد، والمنطقة عموما، فرضت على هذه النوعية من البشر الاهتمام بها، حيث تيقنوا من انعكاسها على حياتهم، وقد تكون ثورة المعلومات والانترت والطفرة الكبيرة في وسائل الإعلام، ساهمت أيضا بجزء آخر.

المهم أن المصري البسيط، يدرك جيدا ما يدور من حوله، ولم يعد مستقبلا فقط لكثير من المعلومات التي تصله ليلا ونهارا، فهو يسمع ويرى ويحلل وينتقي ما يفيده، ويختار ما يريده، ويرفض كل ما يتصادم مع قناعاته.

هذه مقدمة ضرورية، يمكن أن تساعد في تفسير ما هو قادم، فقد التقيت واحدا من المصريين البسطاء مؤخرا، ودار بيننا حوار سياسي، أنقل تفاصيله الرئيسية في السطور التالية، مع الاحتفاظ بعدم ذكر اسم صاحبه، لأن ما يهمني معنى ومغزى ما قاله الرجل، الذي وصف نفسه بالمصري الحزين، حزين على الحال الذي وصلته النخبة، فمصر تستحق أفضل من ذلك، وحزين لأن هذه النخبة فشلت في الاقتراب من نبض الناس، وتتحمل التباعد الطارئ في المسافة بين الرئيس والجماهير العريضة التي اختارته لتحمل المسئولية في مرحلة حرجة.

قبل أن أسأله عن تفاصيل موقفه وسبب اكفهرار وجه وحزنه العميق، عاجلني بالتوقف عند حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثانية والأربعين لنصر أكتوبر، وهو حديث يضاف إلى سلسلة أخرى من الأحاديث الكاشفة، والتي تسير في اتجاه، بينما كلام ما يسمى النخبة يسير في اتجاه مقابل، لأن هذه النوعية من الأحاديث تحمل الكثير من المضامين الشفافة، وتفضح زيف بعض القطاعات، الإعلامية والسياسية والدينية، التي تزعم الحديث باسم الرئيس، وتسوق نفسها على أنها قريبة من دوائر صناعة القرار، الأمر الذي يسيء لصانع القرار الحقيقي.

توقف المصري البائس، عند مجموعة كبيرة من القضايا، تؤكد عمق الفجوة بين الرئيس، ومن يحلو لهم ادعاء الحديث باسمه، وما ترتب عنها من مشكلات، أحدثت صخباً ولغطاً في البلاد، كانت في غنى عنه، من بينها الضجة الكبيرة التي أثارها البعض عندما تطوعوا بالمطالبة بضرورة تعديل الدستور، لمجرد أن الرئيس السيسي، قال جملة عابرة، نوه فيها إلى أن الدستور كتب بنية حسنة، والدول لا تبنى بالنوايا الحسنة.

من هنا انفجرت ماسورة مياه ملوثة من بعض الإعلاميين، وفهموا أن إشارة الرئيس توحي بتهيئة الملعب لتعديل الدستور، ولم تصمت الحملة ويخرس القائمون عليها، إلا عندما ألمح الرئيس أخيرا أن ما قصده من الحديث عن النوايا الحسنة التي كتب بها الدستور، لا يعني التعديل، لكن بعد أن كاد يصدق الناس أن هناك رغبة رسمية في زيادة صلاحيات الرئيس.

الفجوة الثانية الواضحة التي رصدها المصري الحزين بين الرئيس والواقع، تتعلق بالسباق الواضح بين غالبية الأحزاب، لتقديم نفسها باعتبارها الظهير السياسي له، فمع أن الرئيس السيسي، تحدث مرارا وتكرارا حول عدم انتمائه لحزب معين، ولا يرغب في ذلك، والدستور يحول دونه، غير أن محاولات الالتصاق به عنوة، أوجدت انطباعات لدى الناس، عكس ما يريده الرئيس، فهناك حزب أو كتلة، نجحت في تحقيق اختراق، وبدت كأنها الظهير السياسي الوحيد للرئيس، وهنا توقف صاحبنا مستفسرا، ماذا أفعل حيال ما أراه أمامي من تفاصيل تعزز موقف مدعي حب الرئيس، ولم تجد من يوقف زحفها؟

عندما تكون شعبية الرئيس كبيرة تمنح المصريين أحد عناصر الأمان المطلوبة في المرحلة الراهنة، وتعطي الرئيس قوة مضاعفة للمضي قدما في طريقه، لكن ما تقوم به الأحزاب، النبيلة والخبيثة، من جري للالتحاق بركب الرئيس عنوة، تتلاشى بعض رسائله الإيجابية، لأن أخطاء الأحزاب، وهي كثيرة، سوف تقع على عاتقه، ومن الصعوبة أن يصدق المواطن البسيط، عدم مسئوليته عن ذلك، فالصمت على تجاوزات البعض، حتى لو كانت أغراضها عظيمة، يعني القبول بها، وهذه طامة يجب أن تتوقف، خشية أن تتزايد تأثيراتها السلبية.

أنا حزين أيضا، هكذا تفوه صاحبنا، عندما تطرق للتراشق بين أنصار ثورة 25 يناير ومؤيدي ثورة 30 يونيو، لأن هناك من يتعمد إحداث قطيعة بين الثورتين، مع أن الرئيس والدستور والخطاب السياسي، أكدوا أهميتهما ووضعتا في مرتبة واحدة وعلى قدم المساواة، والمشكلة أن تكريس الانفصام بينهما، يؤدي إلى المزيد من الارتباك في المشهد السياسي، يجني ثماره من يتربصون شرا بالبلاد، ومن يريدون تعطيل مسيرة الرئيس لإعادة اللحمة الوطنية، فالخطاب الزاعق، خاصة من قبل الفريق المنحاز فقط لثورة يونيو، والسكوت عليه، وفر لبعض الدوائر فرصة للحديث عن ردة سياسية، تزعم تمهيد الطريق لتسرب روافد نظام حسني مبارك إلى دواليب السلطة تدريجيا.

مصدر حزن صاحبنا هنا، أن هذا التوجه، يفضي إلى توسيع الهوة بين الرئيس والجماهير، فالشوشرة السياسية حول ثورة يناير، تؤثر على فكرة انتصار الرئيس للشباب والكفاءات، وتقلل من أهمية تحركاته لانصاف هؤلاء وهؤلاء، وفي النهاية من الواجب وضع حد لعمليات غسيل السمعة السياسية التي تتم على حساب التوجهات العامة للدولة.

ختم صاحبنا فضفضته، بملاحظته حول الفجوة الظاهرة بين مطالب تجديد الخطاب الديني، وما يحدث من ترسيخ للخطاب التقليدي، مطالبا بفضح كل من يروج لمواقف دينية أو سياسية خادعة، ومساواته بمن ينشر أخبارا كاذبة، ففي الحالتين تحدث بلبلة، يمكن أن تترتب عليها مشكلات، كفيلة أن تجعل المصريين حزانى على ما وصلوا إليه، بعد أن كانوا متفائلين.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>