First Published: 2015-10-13

عن حلف بغداد الجديد!

 

يتدلل العراقيون في اختيار مع من يتحالفون في ساعة من ساعات فوضى التدخل الخارجي في المنطقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لم تطلب بغداد من موسكو توسيع تدخّلها ليشملٓ تنظيم داعش في العراق. ترحبُ العاصمة العراقية بالتنسيق الرباعي الجاري بين روسيا والعراق وسوريا وإيران لتبادل المعلومات الاستخبارية. البعض في بغداد يتحدثُ عن حلف رباعي، فيما أوساط موسكو تصححُ التعريف وتصفُه بالتنسيق فقط. في ذلك أن تلك الرباعية مرتبكةٌ في الإعلان عن تشكيلها العراقي، فيما لا حرج أبداً في مراميها السورية.

لا مساس بقواعد اللعبة في الساحة العراقية. يبدو أن خطاً أميركياً أحمراً مرسوما بدقة وحزم لدرجة تدركها موسكو كما طهران وبغداد. يجاهرُ العراقيون بأنهم لم يطلبوا تدخل روسيا على أراضيهم بسبب الرفض الأميركي. وبسبب هذا الرفض يلتزم الجميع ولا يتمرد. وكأن في الطبخ الدولي ما هو متاح في سوريا ومحرّم في العراق، وكأن في ذلك الطبخ، أيضاً، قواعد يعرفها الإيرانيون كما الروس، فلا يعصاها الوليّ الفقيه في طهران، ويتفهمها "القيصر" في موسكو.

في انحراف بغداد الخجول صوب روسيا، يُبلغ وفد عسكري عراقي زار موسكو أوساط الكرملين استعداد بغداد لتقديم "التسهيلات اللازمة" في الحملة التي تشنّها القوات الروسية على "داعش" في سوريا. تروم بغداد اللعب في "الموسم" الروسي دون تنفير حليفها في واشنطن، لا سيما أن ما تحققه القوات العراقية من تقدم ضد "داعش"، لا سيما في الأنبار مؤخراً، يجري برعاية ودعم الغطاء الجوي للولايات المتحدة وحلفائها.

تعبّر أوساط عراقية عن تبرّم من أداء طائرات التحالف في مكافحة تنظيم البغدادي. يلمّح الصدريون إلى أن العراق سيطلب دعماً جوياً من روسيا "في حال نجاحها في سوريا"، ذلك أن "ضربات التحالف زادته توسعاً" (وفق رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية حاكم الزاملي). تهتاج مشارب عراقية لضجيج "القيصر" في سوريا فتميلُ إلى استدراجه. في التمرين سأم من حبيب قديم أو استفزازٌ تستدرجُ غيرته.

تتدللُ بغداد في موسم التنافس الأميركي الروسي على احتكار القول الفصل في المنطقة. لواشنطن توجّهات تحددُ مزاجها في العراق. نشطت الولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي عريض (22 دولة – ليس من بينها روسيا وإيران وسوريا) لضرب "داعش" في العراق والتأني في استهدافه في سوريا، فيما تنتفضُ روسيا لضرب تنظيم البغدادي في سوريا وتمني النفس في توسيع همّتها إلى العراق. يفهم العراقيون "رغبة" الكرملين (لأسباب استراتيجية عسكرية، حسب موسكو)، في شنّ غاراته على الجبهتين السورية والعراقية معاً، لكن بغداد تجيب: تسهيلات نعم؛ عمليات لا. فالأميركيون يمانعون، "ونقطة عالسطر".

أثمرت "التسهيلات" والرباعية التنسيقية عن فتح مجال العراق الجوي، ومن خلفه الإيراني، لرحلة صورايخ "كاليبر" الروسية المنطلقة من بحر قزوين (والتي نعرف أن بعضها سقط في إيران ولم نعرف مصير بعضها الآخر). لم تكن تلك الصواريخ ضرورية لضرب الأهداف السورية، فالوصول إليها (الأهداف) عن طريق المقاتلات أكثر دقة وأقل كلفة. لكن المناورة الروسية كانت حاجة استعراضية أمام العالم عامة، والأطلسيين خاصة، كما أنها تجريبية في ميدان ندر توفّره لمصنعي السلاح الثقيل في العالم. وفي مشوار الصواريخ (1500 كلم) تلميحٌ بأن ما هو تنسيق رباعي آيل إلى ولادة "حلف بغداد" جديد لا يشبه بالمضمون والمرامي ذلك القديم (1955) التي كانت رعته واشنطن وأشرفت على تشكّله لندن (ضم إيران وباكستان والعراق وبريطانيا وتركيا).

يرحب السيّد حسن نصرالله في بيروت بالإطلالة الروسية على المنطقة، وتتحرك تشكيلات عسكرية ميليشياوية تابعة لإيران، بعضها عراقي، باتجاه المعركة في سوريا. يميلُ المزاج الشيعي العراقي، وفق تلك المستجدات، باتجاه الخيار الروسي. تتذمرُ نخب الحكم الشيعية من الحليف الأميركي الذي أتى بها للحكم على أنقاض النظام السابق، فيما للمفارقة، يتحفّظ سنّة الحكم على الإغراء الروسي ويُظهرون مودّة، وربما ثقة، بأوباما وصحبه. واحدهم يقول: "ليس لدى السنّة اعتراض على الدعم الروسي للعراق لمحاربة الإرهاب. ولكن لماذا لا يكون ذلك من خلال التحالف الدولي"، مشيراً إلى أن التحفظ على التحالف الرباعي "هو بسبب وجود نظامَي طهران ودمشق في أساسه" (ظافر العاني).

في العودة الأوبامية إلى العراق بعد انسحابه السابق منها ما يفيدُ أن للعراق في الاستراتيجيات الأميركية مكانة ما، لأغراض ما. أدركت طهران ذلك بوضوح، وراحت تتحرى الشراكة بالحدود المتاحة، ذلك أن الشروط الدولية، كما الشروط الداخلية، لم تعد تسمح بهيمنة كاملة، حتى لو تحدّث بعضٌ في طهران عن إيران "أمبراطورية عاصمتها بغداد".

يذهب الجنرال جون ألن، المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص بالتحالف الدولي، إلى بغداد مذكراً أهل الدار بحضور واشنطن السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والعسكري في العراق. يتدللُ وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، القريب من طهران، ويقول متحدثاً عن التحالف الدولي: "حجم الدعم والمساعدة لم يكن بمستوى التحدي الذي يتعرض له العراق". يتبرأ الحكم في بغداد من أية مسؤولية في تفاقم حال البلاد السياسي والاقتصادي والأمني. فالمسألة متعلّقة، حسب نظام الحكم العراقي، بمستوى ما يقدّمه العالم، لا سيما وأن الوافد الروسي الجديد لم يحاضر به مطالباً إياه، على منوال ما يفعل الأميركي، إصلاحاً وتوازنا ووقف الفساد.

مقابل "حلف بغداد" الجديد، يقدم جون ألن مطالعة جديدة للتحالف الدولي. يكشفُ الرجل في العاصمة العراقية أن "التحالف الدولي تحالف استراتيجي يستمر لفترة ما بعد القضاء على إرهابيي داعش، وعودة الأمن والاستقرار إلى العراق، وإعادة إعمار البُنى التحتـية للمناطق المحررة، ودعم العراق اقتصادياً وخدمياً".

تقدم واشنطن ما يشبه خطة مارشال تجعل من العراق بالنسبة لها "مستقراً" لشلّ طموحات روسيا في أن تجعل منه "ممراً" لرؤها السورية. فإذا ما كانت "ليلى في العراق مريضة"، فما زالت واشنطن الطبيب المداوي. في هذا أن "حلف بغداد" الجديد ممنوع، وحتى اشعار آخر، وفق تعليمات ذلك الطبيب.

تقلق موسكو من تقاريرَ منسوبة لمسؤولين كبار في الحكومة البريطانية تتحدثُ عن تعليمات للطيارين البريطانيين بإسقاط الطائرات الروسية غير الصديقة في سماء العراق. التقارير تسرّبت إلى الصحافة (دايلي ستار سانداي) وقيل أن مصدرها وزارة الدفاع. تتبرمُ العاصمة الروسية من امتناع لندن من تزويدها بالمعلومات التي تمتلكها بشأن البنية التحتية لداعش، وتستغربُ خشية بريطانيا من صدام بين طائرات البلدين في وقت لا يشارك سلاح الجو الروسي في توجيه ضربات ضد داعش في العراق. لكن الملابسات التي لم تفصح عنها لندن تعكسُ قراراً أطلسياً ما بتعطيل أي تمدد روسي باتجاه العراق أجواءً ونوايا طموحة.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
كيف تتحرك الرياض باتجاه العراق؟
2017-08-04
المزيد

 
>>