First Published: 2015-10-15

حق اللجوء لا حق المواطنة

 

لم يعد المغتربون قادرين على خداع أخوتهم من المقيمين في الوطن بأن الغربة صعبة بعد ان صارت الاقامة في الوطن فعلا مستحيلا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هل صار الإنسان العربي يفضل أن يكون لاجئا في أحد بلدان اللجوء المنتشرة حول العالم وليس في الغرب وحده على أن يكون مواطنا في بلاده؟

منذ عقود وفكرة اللجوء تمارس سحرها على العقول قبل القلوب. لذلك أُخترع الحنين ليكون معادلا عاطفيا للعيش الحر الكريم الذي يمارسه المرء بعيدا عن تلك الاماكن التي يحن إليها. ولكن زمن الحنين كان قد مضى هو الآخر إلى غيابه.

لم يعد المغتربون قادرين على خداع أخوتهم من المقيمين في الوطن بأن الغربة صعبة بعد ان صارت الاقامة في الوطن فعلا مستحيلا. الكذبة المزدوجة لم تعد تقنع أحدا.

"خير البلاد ما حملتك" قول ينسب إلى الامام علي بن ابي طالب، وهو قول يصلح ميزانا لحقيقة ما أنتهى إليه الإنسان العربي. هناك بلاد تستقبله بإشفاق قد يكون كاذبا بعد أن صارت بلاده تطرده بقسوة ابنائها والمحيطين بهم من الغرباء، أقرباء الدم العقائدي.

أما "بلادي وإن جارت علي عزيزة" فهي جملة تنتمي إلى الماضي الفلكلوري يوم كان القبول بالطغاة والحزب الواحد جزءا من التلقين اليومي الذي يتستر على خوف من مجهول، كان يعبر عن نفسه بجملة مجازفة في عبثيتها هي "شر نعرفه خير من خير لا نعرفه" وهو ما لم يمنع المجتمعات العربية من السقوط في فخ ما كانت تخشاه. فزمن الطغاة وإن خرج عن حده المعقول كان لابد أن ينتهي لنطل على الفضيحة. تلك بلاد لم تكن أوطانا ولم يكن ساكنوها إلا عبيدا لذلك لم يعرفوا شيئا عن ثقافة الحرية.

ما لم يعرفه الإنسان العربي عن الحرية سيجده ميسرا، لكن عن طريق اللجوء.

سيكون عليه أن يستبدل قفصا بآخر، شريطة أن يظل حيا.

أكان الطغاة هم الضمانة الوحيدة لحياتنا؟

ولكن الطغاة الذين رفضوا بعناد غبي أن ينتقلوا بجماهيرهم التي كانت تتغنى بحبهم إلى مرحلة المواطنة التي تعلم احترام القوانين كانوا موعودين بولادة وحوش على مقاعد التربية الوطنية التي زورت مناهجها لتكون ملاذات للعبودية.

ولأن العبيد لن يتمكنوا من بناء أوطان حرة فقد سقطت البلدان حين سقط آباؤها القساة. أولئك الآباء الذين أخذوا فكرة الوطن معهم إلى القبور.

البلاد العزيزة صارت في مكان آخر. البلاد التي حملتنا مواطنين تنقصهم الهوية. مواطنة اللاجئين شرط حياة ترعاه القوانين. أما العاطفة فهي أمر لن يكون ملزما أو ضروريا، بعد أن بعدت الشقة بين المرء وقلبه. لا يكسر الموصلي أبو تمام المعادلة بل يفخخها بقوله "كم منزل في الارض يألفه الفتى/ وحنينه أبدا لأول منزل".

ولكن أين يقع ذلك المنزل الأول؟

لا أظن أن أحدا من نازحي سوريا والعراق سيعثر على منزله إن كتبت له العودة إلى بلاده. لقد مر المغول من هنا. لن يقرأ تلك الجملة ولكن الهواء الجريح سيكون محملا بمفرداتها النافرة. وهو ما سيدفعه إلى التفكير بالمواطنة التي خسرها من أجل أن يكون لاجئا إلى الأبد. كم كان ثمن اللجوء باهظا.

الدرس الذي لم يتعلمه أحد في عالمنا العربي هو أن المواطنة ممكنة في كل لحظة. لقد علمتنا الأحزاب المعارضة أن نختار الهروب بإعتباره أكثر الحلول يسرا. لذلك لم نتعلم من تاريخنا أو من تواريخ الشعوب التي قاومت الظلم شيئا.

صرنا لاجئين ونحن نظن أنه الحل الاقل تكلفة.

لقد فضلنا الموت في البحر على ايدي المهربين بدلا من الموت في الوطن.

لذلك لن تكون حياتنا إن نجونا إلا هبة من أولئك اللصوص الذين سلمونا إلى دوائر الهجرة لاجئين إلى الأبد.

حياتنا لاجئين هي نوع من سرقة لحظات لم تكن لنا. لو كنا مواطنين لكان كل شي من صنعنا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الانتحار الكردي بعد التمرد السني المغدور
2017-09-24
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
المزيد

 
>>