First Published: 2015-10-17

روسيا وتركيا مجددا

 

تدخل روسيا فتح الباب لاختيار من هم الاعداء الارهابيون وصار كل يختار اعداءه ليقاتلهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

طرح اختراق الطائرة الروسية للسيادة التركية، أسئلة كثيرة حول مستقبل العلاقات بين البلدين، سيما وان هذه الحادثة، أتت في سياق تدخل روسي عسكري متزايد في الأزمة السورية، ما أيقظ مخاوف تركيا من السلوك الروسي، الذي تعتبره ليس مجرد خطوة تكتية في مسار الأزمة السورية، بقدر ما له من أبعاد إستراتيجية، تبدأ بعودة النفوذ الروسي إلى الشرق الأوسط، ولا تنتهي عمليا بإعادة فك وتركيب للدور التركي الذي لعبته أنقرة لعقود طويلة، باعتبارها دولة مانعة في وجه الاتحاد السوفياتي السابق، وحاجزا بوجه روسيا حاليا لمنع التمدد. وما يعزز بيئة المواجهة الحالية، أن الحادثة بحد ذاتها ليست سابقة، فسبق وان أسقطت طائرة تركية في العام 2013 في البحر في خلال مواجهة سورية تركية، وترددت معلومات عن إسقاطها بطائرات روسية وليست سورية. ورغم بلع أنقرة الحادثة وهضمها آنذاك، إلا أن التباين الروسي التركي حول إدارة الأزمة السورية، ظل يفعل فعله بين الجانبين، وحرص الطرفان على اللعب ضمن سياسة حفة الهاوية، وعدم إيصال الأمور إلى نهايات غير مرغوب فيها من قبل الجانبين.

وليس سرا، أن العلاقات الثنائية تسبح في بحر من العداء التاريخي، منذ الحروب المتتالية بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية، مروراً بمرحلة الحرب الباردة عندما لعبت تركيا دور الشرطي الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، وليس انتهاءً بالصدام المتعدد المستوى تجاه الأزمة السورية ومجمل السياسات في الشرق الأوسط،، ولعلَّ مصدر ذلك العداء والتوتر شبه الدائم، هو التباين الحاد في الاستراتيجيات والاختلاف في السياسات والرؤى، رغم الحجم الكبير من المصالح المشتركة والعلاقات الاقتصادية القوية بين البلدين.

ترى اليوم روسيا بوتين، أن أنقرة تلعب دوراً متجاوز الحدود في المنطقة، ليس ما يخص الأزمة السورية فحسب، بل في عدة إجراءات تركية تشكل تهديدا لأمن روسيا والمنطقة ككل، ولعلَّ أهم تلك الإجراءات التركية التي تشكل قلقاً روسيا، نشر منظومة الدرع الصاروخية الأميركية – الأطلسية على أراضيها، رغم الاعتراضات الروسية والإيرانية، إذ يعتبر البلدان هذه المنظومة تهديدا لأمنهما والمنطقة. وكذلك نشر أنقرة لصواريخ الباتريوت على أرضيها بحجة الدفاع في مواجهة هجوم سوري محتمل، رغم اتخاذها طابع الاستعداد للتدخل العسكري في سوريا، وهو ما ترفضه روسيا بشكل مطلق. علاوة على ما تسميه موسكو دعما تركيا للجماعات الإسلامية المتطرفة التي تحارب في سوريا والذي يشكل قلقاً بالغ الأهمية لروسيا في ظل وجود قرابة أكثر من خمسين مليون مسلم في جمهوريات آسيا الوسطى، حيث التجربة المرة لروسيا في الشيشان لا تزال ماثلة بقوة في أذهان الروس وحساباتهم الإستراتيجية. كما تعتبر موسكو أن إسقاط النظام السوري كما تصر أنقرة عليه، يعني خروجا روسيا مدويا من الشرق الأوسط، وما سيتسبب به من تداعيات وخيمة على الأمن القومي الروسي، في وقت ترى موسكو أن دمشق، تمثل عمقاً استراتيجياً لها ومن الصعب التخلي عنها، وهذا ما يفسر السلوك الروسي في إعادة التموضع والتمدد العسكري في سوريا مؤخرا.

وانطلاقا من تلك الحسابات الإستراتيجية، يمكن القول، إنه من الصعب تخلي موسكو عن حليف وشريك قديم جديد، إذ يشكل قيمة أمنية إضافية عالية في الإستراتيجية الروسية، إلا أن تفاقم الوضع في العلاقات الروسية – التركية تبقى قائمة، طالما أن أنقرة تصر على مواقفها. ولا يعني ذلك أن روسيا لا تريد حلاً للأزمة السورية، فهي تسعى إلى حل عبر مرحلة انتقالية، والحصول على ضمانات كافية لتأمين مصالحها الإستراتيجية، وهي بذلك تنظر إلى المسألة في إطار إقليمي استراتيجي، عبر إدراك أهمية العلاقات بين سوريا وإيران والعراق كوحدة إقليمية يمكن من خلالها خلط الأوراق في المنطقة، إذا ما أصرت أنقرة على التصعيد واختيار الحل العسكري لتغيير الخرائط السياسية وربما الجغرافية في المنطقة.

في أي حال من الأحوال، إن التدقيق بالمواقف المتبادلة بين الطرفين، على خلفية اختراق الطائرة الروسية للمجال الجوي التركي، لم تخرج حتى الآن عن إطار الاستيعاب المتبادل للحادثة، رغم السقف العالي التركي، الذي يعتبر الحادثة قضية سياسية، وليست قضية تقنية كما تراها موسكو، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار، النفخ الأطلسي في نيران الأزمة، فإن العلاقات الروسية - التركية تبدو وكأنها تمر بمرحلة حساسة، وفيها الكثير من الحسابات الدقيقة غير القابلة للتراجع أو غض الطرف، سيما وان ثمة طرفان يقاتلان الإرهاب كل على طريقته فوق سماء المنطقة، حيث تزدحم الأجواء بوسائل إشعال فتيل الحروب الكبرى.

في العودة للعام 1961 إبان أزمة الصواريخ الروسية في كوبا، نصبت واشنطن صواريخها في تركيا لمواجهة موسكو، فكان الحل الدبلوماسي الذي قضى بسحب الصواريخ الروسية من كوبا مقابل سحب الصواريخ الأميركية من تركيا، فتجنب العالم آنذاك تفجير أزمة كبرى، كادت أن تؤدي إلى إشعال حرب عالمية ثالثة. ومع اختلاف الوقائع والظروف، هل تبدو أنقرة اليوم موضعا لإعادة تجربة العام 1961 بين موسكو واشنطن، أم ستكون هي نفسها، سببا لإشعال المنطقة؟ لا شيء في السياسة مستحيل، التسويات ممكنة، كما الانفجار في لحظة الحسابات الخاطئة.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
تحديات قمم ترامب في الشرق الأوسط
2017-05-27
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
المزيد

 
>>