First Published: 2015-10-18

سحابة افتراضية.. سحابة صحفية

 

سياسي وناشر ثري يتأمل فكرة إصدار مطبوع يهتم بشؤون المهاجرين العرب، ولأنه خارج السحابة الافتراضية، يتساءل لكن من يكتب في هذه المجلة الجديدة كل الكتاب العرب استهلكوا أفكارهم!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

سنفترض قصة، لكنها في حقيقة الأمر واقع يحدث اليوم بصفته جزءا من السحابة الافتراضية التي تبدو أنها اختصرت العالم برمته في فضاء غرفة المعيشة!

ثمة فنان تشكيلي عربي أتقن التصميم الصحفي بخيال مبتكر وماهر ويمتلك أيضا مواصفات كتابة صحفية ونقدية قادرة على الأداء بأفكار متميزة، وضعه قدره أو خياره مهاجرا في قرية صغيرة في نيوزيلندا تحتاج ساعتين سياقة لتصل إلى أقرب بلدة إليها تمتلك قليلا من ضجيج المدن.

يشعر تماما بأن طاقته مهدورة، فهو يرسم برغبة متوحدة ولا يسمع ردود فعل على أعماله إلا من زوجته، ومن الصعوبة نقلها وعرضها في رواق فني، يحسد أولاده لأنهم يذهبون إلى المدرسة يوميا ولهم أصدقاء، الوقت الذي يقضيه أمام كمبيوتره صار أشبه بالجهد الضائع المكرر وغير المنتج، والرسائل التي يتبادلها صارت تكرارا مملاّ لتداعيات الحنين حتى غاب عنها الحنين، يشعر أن أفكاره لا تأتي بشيء بكل ما يكتبه على صفحته، إنه يعيش في قرية فاتنة وهادئة كل ما يوده متوفر فيها ولا أحد يقلقه فيها مطلقا، لكن مع ذلك طاقته معطلة، لأنه صحفي لا يتحرك! ومتى كان الصحفي لا يرى بأكثر من عين؟

كم تبعد نيوزيلندا عن مسقط في سلطنة عمان، السفن تملك الإجابة الأسهل والأجمل، فالطائرات لا تمت بصلة لخيال الرجل التشكيلي.

لقد وجدها، الأصح السحابة الافتراضية وجدته، “مازالت قصتنا افتراضية، لكن مثلها تحدث حتما في الزمن الرقمي” فقد اختارته مجلة تهتم بالفن التشكيلي تصدر في مسقط مصمما وكاتبا ومنتجا لها، وأصبحت غرفة المعيشة في بيته بالقرية النيوزيلندية النائية أشبه بمكتب صحفي متكامل تديره السحابة الافتراضية، ومن السهولة أيضا أن يحمل كمبيوتره المحمول في نهار مشمس إلى مقهى قريبة ليواصل عمله.

السحابة الافتراضية أعادت الطاقة المهدورة لهذا الصحفي وربطت قرية “ساووث وود” في نيوزلندا بمكاتب المجلة في مسقط.

وهذا ما يحدث اليوم فعلا عبر السحابة البشرية التي توزع مهام العمل المسطح عبر سحابة افتراضية منهية التسلسل الهرمي العقيم. إنك تعمل براحة تامة بمهام تحددها ويشترك معك الآخرون حتى وإن كانوا في أقصى الأماكن النائية. جهاز كمبيوتر، ودماغك، واتصال بالإنترنت من أجل العمل، ولا شيء أكثر.

وهذا ما دفع جاي ستاندينج، الأكاديمي المتخصص في طبيعة الخدمات ونمو العمل غير الآمن إلى القول “إن السحابة البشرية تجعل تقسيم آدم سميث الشهير للعمال في صناعة الدبابيس يبدو متواضعا”.

لأن السحابة البشرية بوصفها وسيلة جديدة لإنجاز العمل، يتم فيها تقسيم الوظائف الإدارية بين مئات المشاريع أو المهام المنفصلة، ومن ثمة نشرها على خدمة سحابة افتراضية من العاملين الراغبين الذين يمكن أن يكونوا بأي مكان في العالم، طالما لديهم اتصال بالإنترنت.

سواء كانت خدمة السحابة البشرية ذات واقع مثالي أو مرير، فهذا الواقع بتعبير سارة أوكونر من صحيفة فاينشال تايمز، يعتمد إلى حد بعيد أين تجد نفسك بالضبط في تسلسلها.

أو بتعبير أحد العاملين في سحابة بشرية أن مهام الذكاء البشري جفت وانخفضت معدلات الأجور “الآن نحن بوصفنا عاملين يجب أن نتنافس مع عاملين آخرين للحصول على مهام الذكاء البشري”.

الناشرون الذين يصنعون المستقبل بأفكارهم يعتقدون أننا على عتبة ثورة عمل مرنة، فخدمة السحابة البشرية تعد بالقضاء على نقص المهارات الصحفية وتخفيف عيوب العمل الكلاسيكي، وإيجاد جدارة عالمية حيث يتم مكافأة الصحفيين فقط على إنتاجيتهم، بغض النظر عن موقعهم أو درجة تعليمهم أو جنسهم أو عرقهم. أو وفق وصف أوكونر أن بعضهم يقول إن بإمكانها إعادتنا إلى عصر الصناعات المنزلية، الذي سبق حشرنا داخل مصانع أو مكاتب وأفقدنا السيطرة على عملنا.

فهذا عصر ما بعد الرقمية يعود إلى الأصول.

بمقابل هذا يقترح صاحب مطبعة عربي على سياسي ثري وناشر وصاحب محطات تلفزيونية عربية، إصدار مجلة تهتم بشؤون المغتربين العرب في العالم، فثمة أكثر من جيل ولد هناك وولدت معهم الملايين من القصص الصحفية، إنهم قصة صحفية متجددة ودائمة، ستكون مثيرة إن جمعت بين متني مجلة أسبوعية أو شهرية.

يتأمل السياسي والناشر الثري الفكرة ولأنه خارج السحابة الافتراضية تماما، يتساءل لكن من يكتب في هذه المجلة الجديدة كل الكتاب العرب استهلكوا أفكارهم!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم متابع
الدولة لندن

الشجاعة في ذكر الأسماء والمواقف لا في التلميح فمن هذا السياسي الذي تقصده وخارج السحابة الرقمية أليس الشجاعة يا كرم نعمة ان تذكره

2015-10-19

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>