First Published: 2015-10-19

بوتين صنما

 

بوتين اليوم هو قضية السوريين التي يجدون فيها سببا آخر للإنقسام. جزء أحبه وجزء كرهه وما من أحد نظر إليه بإعتباره لاعبا سياسيا في ميدان السباق العالمي للقوى الكبرى.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في زيارتي الاولى لدمشق قبل سنوات فوجئت بلافتات كنت اراها في كل مكان كتبت عليها جملة صغيرة واحدة هي "منحبك". ولعدم معرفتي باللهجة السورية فقد كنت استغرب وجود الميم الزائدة التي تتقدم "نحبك".

لم أكن في حاجة إلى من يشرح لي وأنا العراقي لمَن كانت تلك الجملة العاطفية المكتوبة بمختلف أساليب وأنواع الخط موجهة.

فالشعب هنا مثلما الشعب هناك يحب قائده.

العرب يحبون قادتهم دائما. وهو أمر مسلم به تاريخيا. العلاقة بين الشعب وقائده لا تستقيم إلا من خلال الحب. فعن طريق الحب يقضي القائد عمره كله جالسا على كرسي السلطة، لا يغادره إلا إذا أجبره عزرائيل على ذلك.

كان حافظ الاسد وهو الذي عينه الشعب زعيما إلى الابد محظوظا حين مات عن طريق المرض. فكانت ميتته طبيعية.

الآخرون لم يرحمهم الحب الزائد.

تنقل المصريون على سبيل المثال بحبهم بين ثلاثة رؤساء. الاول مات مسموما كما يُقال والثاني قتل على منصة الاستعراض التي كان يحتفل عليها بإعتباره بطل العبور والثالث يحتفي بثمانينه في السجن.

كان الثلاثة ابطالا قوميين.

العراقيون هم ايضا قتلوا ثلاثة رؤساء. الاول هو حبيب الفقراء الذي لم يعثر أحد على قبره والثاني تحطمت به الطائرة ولم يعثر أحد على جثته والثالث تم نبش قبره غير مرة. كان الثلاثة ابطالا قوميين أيضا وكان الشعب قد اجتهد في التعبير عن حبهم والثقة بكل ما تجود به عبقرياتهم الفذة.

اليوم ينظر السوريون إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعتباره بطلا قوميا، وهوما لا يتعارض مع جملة "منحبك" التي لا تزال تملأ لافتاتها الشوارع بكل ما تنطوي عليه من سخرية.

كان حزب الله اللبناني قد ملأ ذات مرة الطريق بين مطار رفيق الحريري والعاصمة بيروت بصور مختار العصر نوري المالكي، وتبين في ما بعد أن تلك العملية كان المالكي نفسه قد أنفق عليها من أموال الشعب العراقي.

هل يمول بوتين حملة الغرام السوري به؟

يرى المرء صور الرئيس الروسي في كل مكان من الشام، حتى صارت تنافس صور أبطال العائلة المقدسة. أتوقع أن أصحاب المطابع استفادوا كثيرا من ظهور شخصية جديدة على مسرح الحب الشعبي.

قد يذهب شيء من رذاذ جملة "منحبك" إلى الرجل الذي قرر انقاذ سوريا، بعد أن صارت مدنها أثرا بعد عين. لن يجد سكان حماه وحلب وحمص وغيرها من المدن السورية المنكوبة جدارا سليما يليق بصورة البطل القومي الجديد. يكفي أن القلوب التي أحبته ستغمر صورته بعاطفتها مثلما تفعل كل لحظة مع صور سلسلة من الابطال الموتى والأحياء على حد سواء.

عادات الشعب العربي السوري في الحب لا تُقاوم.

شعب عاطفي دمر بلاده من اجل الغاء الفقرة الثامنة من الدستور. وإذا ما كان الرئيس بشار الاسد وهو الآخر بطل قومي قد سخر من سذاجة شعبه في خطابه الأول بعد أحداث درعا عام 2011 حين أكد أن تلك الفقرة كانت قد ألغيت من غير أن يخبر أحد الشعب بذلك فإن افراط ذلك الشعب في عاطفته دفعه إلى عدم التراجع عن الهدف الذي وضعه له أصدقاؤه في الغرب فاختار أن يذهب إلى المخيمات نازحا ولاجئا ومشردا وجائعا ومحروما من سبل العيش الإنساني الكريم.

بوتين هو اليوم قضية السوريين التي يجدون فيها سببا آخر للإنقسام بعد أن يئسوا من أمكانية أن يحلوا قضاياهم السابقة التي كانت محل خلافاتهم. جزء أحبه وجزء كرهه وما من أحد نظر إليه بإعتباره لاعبا سياسيا في ميدان السباق العالمي للقوى الكبرى، هناك حيث تدار مصائر الشعوب وحيث تُرسم الخرائط وحيث يتم النظر إلى المستقبل بطريقة تجريدية لا علاقة لها بالوضع البشري.

أضاف الشعب السوري صنما جديدا إلى معبدهم العاطفي ولم ينتبهوا إلى أن ذلك الصنم يمد لهم لسانه.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
بسلطة القانون تُنتهك الطفولة في العراق
2017-11-05
المزيد

 
>>