First Published: 2015-10-23

كيف للتاريخ أن ينفجر في الحاضر؟

 

المثقف العربي يعيش بوعيه في مجتمع حديث جربه في العمق، وفهم فلسفته إلا أنه كمغترب يشعر بظلم كبير داخل ثقافته نفسها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

في فضاء القراءة الإفتراضي أنت لا تعرف الكاتب بل تعرف لغته، وهذه اللغة إذا كانت تنطوي على تساؤلات فهي بلا شك لغة مهمة ومفتوحة على الوجود. دائماً التساؤلات تدل على نشاط فكري، وهي ليست فكرة بمقدار ما هي "تفكير"، وليس هناك ما هو أهم من التمسك بالتسامح والتنوير حتى يصبح التفكير ممكنا. هذا الأمر صحي جدا وليس عبثيا.

فالإنسان في النهاية أهم من أفكاره، لأنه دائماً له الحق بإعادة النظر، ويمتلك تلك الطاقة على تغيير رأيه. ثم هل ننسى بأن هناك علما حديثاً قد ظهر منذ بدايات القرن العشرين هو "علم النفس"، به اكتشفنا شيئا مذهلا هو "اللاوعي"؟ مع هذا العلم انفجرت "الحداثة" لأنه بوجود اللاوعي تهشمت إلى الأبد مركزية الذات. فما هو المقصود اليوم حين أقول "أنا"؟ لاشك بأن ضمير المتكلم قد تبدل معناه كثيرا.

وحتى لو نظرنا إلى الحداثة بمعناها الماركسي وليس الفرويدي سنكتشف بأنها تتحدث أيضاً عن "اللاوعي" الا أنه لاوعي التاريخ وليس الفرد. هناك نسق وعقل وتفسير مادي للتاريخ خلف هذه الفوضى العمياء. إننا لم نخسر شيئا سوى ذلك التفاؤل والإيمان بالمستقبل، فالعالم بلا معنى ويحكمه قانون عادل أكثر أماناً للدولة الحديثة والمجتمع من كل المعاني الثقافية.

المثقف العربي يعيش بوعيه في مجتمع حديث جربه في العمق، وفهم فلسفته إلا أنه كمغترب يشعر بظلم كبير داخل ثقافته نفسها. إنها تصنفه وتتفحصه بشك وتطرده من المكان الذي جاء منه ونشأ به وهو "الحداثة". نحن في مواجهة مع كائنات أقل كفاءة تتهمنا بالتخلف والتطرف، لا لشيء سوى أننا نرفض التزوير الفكري والسياسي، إننا "نحلل" بمعنى نفسر الواقع والظاهرة بأدوات مناسبة من داخلها، أي أننا لا نحاكم الناس والمدن والثقافات فقط نفسر بإخلاص على مقدار ما يصل إليه وعينا.

قبل أيام بروفيسور كندي يقول لي؛ تحت ظروف مشابهة لن يتحول الكندي إلى متطرف، بل سيجد وسائل أخرى غير الدين للتعبير عن غضبه. هذا ربما صحيح إلا أن الإنسان المسلم في بلادي كيف له أن يعبر عن نفسه بهذا الشكل؟ هذا شيء لا علاقة له بمخابرات ومؤامرات، هذه اللغة لن تفسر لنا كيف أن الدولة الإسلامية مثلا عندها هذا العدد الهائل من الانتحاريين؟

إننا لم نخلق الإسلام بل ولدنا داخله ومهمتنا ككتاب ليس الشتم والإشاعة، وقبل أن نضرب المدينة بألف صاروخ، وقبل أن تعلن ألف دولة عن تحالفها ألا يحق للكتاب أن يتساءلوا كيف لشيء رهيب كهذا أن يكون ممكنا في ثقافتنا وديننا وعصرنا؟ لماذا يتم هدر الميزانية الضخمة على الإعلام الحربي فقط؟

فالقضية ليست "كيف نقضي على ما حدث ونمحوه من الذاكرة؟" بل هي حقاً كيف للتاريخ أن ينفجر هكذا في الحاضر؟ كيف لشيء كهذا أن يحدث؟ وكيف نضمن بأنه لن يتكرر؟ ولماذا هذا الكم الهائل من الصواريخ؟ هل الأمر مخيف إلى هذه الدرجة؟ وإذا كان كذلك لماذا لا نحاول فهمه؟

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
الضعف العربي والتوسع التركي والإيراني
2017-12-12
انحسار المد الطائفي في العراق
2017-12-04
المرأة السعودية جوهر الانتصار على التطرّف
2017-11-28
عتاب عراقي مرير
2017-11-20
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المزيد

 
>>