First Published: 2015-10-25

صحافة ما قبل تويتر، صحافة ما بعد التغريد

 

ثمة مفهوم جديد للصحافة نما مع تويتر، وهو أمر أغرى رؤوس الأموال بتحويل هذا المفهوم إلى فكرة مالية لإعادة تأهيل السوق المريضة في صناعة الأخبار بعد أن اقترب دق المسمار الأخير في نعشها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لأن حرية التعبير لا تجلب مالا، لذلك وببساطة شديدة لا يمكن تحويل تويتر بصفته الميكرفون الأقوى في العالم إلى وكالة أنباء، الفكرة المتداولة حاليا حول تطوير موقع التغريدات القصيرة تضيق عندما تصل إلى اختصار مهمته في الأخبار العاجلة، بينما هو في حقيقة الأمر أوجد تعريفا جديدا لصناعة الأخبار لم يكن متداولا عند وكالات الأنباء العالمية.

يمكن القول إن ثمة صحافة ما قبل تويتر، هي صحافة مختلفة عما بعد شيوع التغريد، فليس تحويل تويتر إلى مجرد وكالة تبث الأخبار فكرة مالية بغيضة فحسب، وإنما تشبه فكرة أن نعود بالتلفزيون إلى ما قبل النقل الحي المباشر وفق تعبير إيملي بيل في صحيفة الغارديان.

لا يمكن وفق كل الأحوال أن يتسنى لأي شركة العمل وفق مفهوم الحرية المتاحة للمغردين، وبمجرد تقنين مثل هذه الحرية يفقد تويتر مواصفاته التي نمت بابتكارات المستخدمين وليس ببناء شركة مثلما يراد لتويتر أن يصبح وكالة أنباء إخبارية تجني الأموال من تسويق الأخبار.

الصحفيون العاملون في كبرى وكالات الأنباء باتوا لا يهتمون بشريط الأخبار الذي يصنعونه أو يستمعون إلى جهاز الراديو صباح كل يوم قبل المرور على التغريدات بصفتها أخبارا عاجلة، رجال الأعمال أيضا والزعماء والفنانون. فهل يمكن لأي وكالة أنباء مهما توسعت شبكة مراسليها أن تمتلك مثل هذا الحس الشاسع من الحرية المتاحة لـ 300 مليون مغرد ونشر الأحداث بنفس السرعة والامتداد الجغرافي؟

نستطيع أن نفهم الدافع النقدي الساخر الذي ينطلق منه مارك زوكربيرغ المدير التنفيذي لفيسبوك بسبب المنافسة وهو يختصر مستقبل تويتر بقوله “يبدو الأمر وكأنهم قادوا سيارة من المهرجين إلى داخل منجم ذهب وتعطلوا”.

لأن زوكربيرغ مثل جاك دورسي يفكر في صناعة المال، وواحدة من المفارقات العميقة في الاقتصاد الأميركي هي أنه لا يوجد مال في حرية التعبير، هذا يعني بالنسبة إلى رؤوس الأموال أن مستقبل مثل هذا الموقع الاجتماعي العالمي يجب أن يدر مالا بقدر الضجيج الذي يصنعه 300 مليون مغرد، ويتضاعف كلما زاد عدد المستخدمين. لكن صناع المال هناك عليهم أن يفكروا أيضا بالأثر الذي يتركه شعور المغرد عن المال المجاني الذي تدره كلماته المقتضبة على غيره.

تَعهدْ الرئيس التنفيذي لتويتر جاك دورسي بجعله أسهل وأكثر إقناعا لمزيد من الناس وأن يكون بسهولة النظر من نافذة البيت لرؤية ماذا يحدث حتى لو كلف الأمر إعادة تشكيل التطبيق من جديد، قد لا يكون التعهد المناسب أمام الأفكار التجارية المتصاعدة بتغيير وظيفة الموقع، لأن دورسي نفسه سبق أن اقترح تعريفه الخاص للمنصة التي ابتكرها بصفتها الميكروفون الأقوى في العالم.

مثل هذا الميكروفون متاح لأن تختلط فيه الأصوات والآراء، كل واحد منا يقول كلمته ويمضي، ليس من أجل أن تكون مثلا هذه الأصوات مقننة بخطاب ما وبحساب مالي يزيد من ثقة المستثمرين.

تويتر ببساطة هو تعريف لما يحدث الآن في العالم، من دون اعتبار للحساسية والمسؤولية التي تتصف بها صناعة الأخبار في وكالات الأنباء، وهذا يعني أيضا أن ثمة أصواتا قبيحة وواطئة وخطرة تتدفق مع الأحداث مثلما تعرض الصورة الأكثر بشاعة لما يجري في أماكن أخرى من العالم.

سيكون من الرائع أن تتسم لغة التغريد بالاحترام في أكبر غرفة أخبار مستقلة في العالم، لكن مثل هذا الأمل مستبعد في الوقت الراهن في عالم مطوق بالكراهية والخلاف والظلم.

لذلك تدرك إدارة تويتر ويدرك دورسي أن التحدي أمام المايكروفون الأقوى في العالم ليس تغيير الطبيعة الفريدة التي صنعها تويتر لنفسه بفضل المستخدمين، من أجل أن يقبل به شارع المال في أميركا وتحويله إلى شركة خبرية تغري المستثمرين والمعلنين ولا تبالي بفكرة المستخدمين.

ثمة مفهوم جديد للصحافة نما مع تويتر، وهو أمر أغرى رؤوس الأموال بتحويل هذا المفهوم إلى فكرة مالية لإعادة تأهيل السوق المريضة في صناعة الأخبار بعد أن اقترب دق المسمار الأخير في نعشها، وهذا مبعث الجدل المتصاعد حاليا حول التجديد في تويتر.

الأخبار لا تموت لكن صناعتها تعاني التراجع، فلا أحد يشتري أخبارا اليوم، لأن ثمة من يعرضها بشكل سهل ومجاني ومن دون تكاليف، لذلك يبقى التحدي أمام رؤوس الأموال في تطوير مفهوم هذه الصناعة لمسايرة الطلب وليس الاستيلاء على منصات كبرى نمت بأصوات الناس وليس بالأموال.

المثير في الأمر في كل ما يدور أن الغلبة لأفكار تضع الإيرادات وليس الفكرة التي وجد من أجلها تويتر. ومع ذلك لن تكون مثل هذه المنصة وحدها منقذة لإعلام تأخر عن مجاراة المواطن الصحفي.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>