First Published: 2015-10-27

يا للخجل، لم نعد نخجل!

 

الإنسان إما لم يعد يمتلك وعيا بمفهوم الخجل وإما طبيعة المجتمع وضعت مستويات جديدة للخجل، فما كان تعرق له جباه المرء صار طبيعيا اليوم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

هل حقا لم نعد نحتفظ بخصوصياتنا، ولم يعد من الأهمية بمكان ألا يخفى عن الآخرين كل ما يمر بنا وما نقدم عليه بالصورة والكلام؟ بل هل وضعنا الخجل في متحف التاريخ الطبيعي، ولم تعد من الهيبة والوقار استعادة جملة شكسبير “أيها الخجل أين حمرتك؟”.

حقيقة الأمر، إن العصر الرقمي سلب حمرة الخجل وصار بلا لون ولا أثر، وإلا كيف نفسر شروع إنسان محاط بآخرين في مجلس أو حافلة، بالحديث مع زوجته عبر الهاتف عن أدق تفاصيل حياتهما وكأن من يجالسونه لا حس لديهم؟! يتحدث بحرية وبصوت عال ويأمر ويتفق، إنه ببساطة، إما لم يعد يمتلك وعيا بمفهوم الخجل وإما طبيعة المجتمع وضعت مستويات جديدة للخجل، فما كان تعرق له جباه المرء صار طبيعيا اليوم.

قصص مثل أن يجلب عاشق هائم فرقة موسيقية كاملة لتعزف أمام منزل حبيبته كي يثبت لها حبه ويسمع الجيران بها، أو آخر يعلن في مجلس أو مطعم يجتمع فيه الأقرباء والغرباء طلب يد المرأة التي يحب، كانت شائعة في الخيال التلفزيوني والسينمائي ومن المضحك أن تكون واقعية، فلا شراكة في العشق إلا مع من تحب، وإلا فسد الحب أو أُفسد.

وحكاية الشاب الذي بث فيلما له على فيسبوك والدموع تنهمر بشدة من عينيه وهو يتوسل المرأة التي يحب بأشد درجات التوسل والخضوع أن تقبله عاشقا، “جربي فقط لترين كم أنا أحبك!”، هكذا يخاطبها بعينين تذرفان دمعا ساخنا وصادقا!

لكن مهلا هل أدرك حقا هذا العاشق المسكين أنه يخاطب من يحب وحدها، أم ثمة مليار مستخدم بإمكانهم مشاهدة مسرحية الخضوع الشخصية الممثلة بوله صادق.

لو كانت الإجابة: في لحظة الوله يغيب التدبر والحياء، سنتفهم ذلك باعتبارها مسألة معزولة، لكن الأمر شائع إلى درجة أن يشترك الناس اليوم في ترويج فضائحهم قبل فضائح غيرهم، ليست بوصفها فضائح، وإلا كيف سنجد تفسيرا لعاشقنا الولهان الباكي وهو يعرض محنة حبه على الناس، كل الناس؟ هل فكر مثلا في إثارة تعاطفهم كمحاولة لتليين قلب الفتاة القاسي؟ هل اعتقد أن رسالته ستكون على هاتف الحبيبة وحدها، ولم يفكر ولو لوهلة أن غيرها سيشاهد تلك الرسالة الفيديوية؟

ليس المهم كما يبدو لي، أن نجد إجابة لمحنة هذا العاشق المسكين، فثمة ملايين القصص تعلن عن متنها المصور بلا مواربة أو خجل، حتى صار التلفزيون ليس المكان الأمثل للشهرة، ولم يعد الناس يعرفون المئات من الذين يظهرون على الشاشات، بل ثمة أكثر شهرة منهم يعرّفون أنفسهم بمواصفات اللاخجل، ويا لخجلنا لم نعد نخجل!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>