First Published: 2015-11-01

أكاذيب إعلام الباب الدوار

 

السؤال الأكثر أهمية المرافق لاعتذار توني بلير المتأخر والفاقد لجدواه، عمّا إذا كان على وسائل إعلام كبرى أن تقدم اعتذارا أكثر فعالية لجمهورها من اعتذار بلير بشأن إحتلال العراق الذي ألحق ضررا بهامش التاريخ ولم يصلح خللا سياسيا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

توني بلير لم يغب عن المشهد ليتم استعادته اليوم مع اعترافه هذا الأسبوع بأن احتلال العراق كان وراء ظهور داعش، إنه حاضر مع الأكاذيب المتصاعدة والمستمرة للسياسيين الكبار ووسائل الإعلام الكبرى، ليس بصفتها وسائل إعلام كاذبة بل صانعة رأي وخطاب مُؤسس على أكاذيب سياسية.

ويبدو السؤال الأكثر أهمية المرافق لاعتذار توني بلير المتأخر والفاقد لجدواه، عمّا إذا كان على وسائل إعلام كبرى أن تقدم اعتذارا أكثر فعالية لجمهورها من اعتذار بلير الذي ألحق ضررا بهامش التاريخ ولم يصلح خللا سياسيا.

بلير لم يغادر الجغرافيا السياسية وبقي كما هو لاعبا بارعا في الباب الدوار، فهو “القاتل” أو “المقتول”، فمثله “قَتل” ولم يشعر بالندم مطلقا، ومثله أيضا يراد له أن “يُقتل”، كما يقترح عنوان فيلم مؤمل إنتاجه بتبرعات الجمهور تحت عنوان “قتل توني بلير” بدلالة اعتبارية تحمل ما يكفي من الصدمة، مع أنه وفقا للحس الإنكليزي يحمل هذا الاسم ما يكفي أيضا من الذوق السيئ!

وفيلم “قتل توني بلير” سيستخدم لإثبات أنه قتل حزب العمال بالجهود التي بذلها لتحديثه، وأدى قراره المشاركة في غزو العراق إلى قتل مئات الآلاف من المدنيين، وجمع ثروة قاتلة منذ تنحيته عن منصبه عام 2007.

وسائل الإعلام قبلت خوض لعبة القتل والترويج لخطاب حرب بوش- بلير، مع أنها تسمع سؤال الرأي العام بقوة صادمة “أيها الناس من يصدق هذا الكلام، إن الرجلين تابع ومتبوع وبينهما قصص كاذبة”.

الصحافة الأميركية والبريطانية انتهكت منظومة القيم الأخلاقية للإعلام والمجتمع معا، عندما قدمت فكرة احتلال العراق بطريقة الحرب تجلب الحرية، وصناع أفكارها الآن يراقبون الخراب من دون أن يفكروا بالتراجع عن تدوين تاريخ من الأكاذيب.

من المفيد استعادة كلام سابق لمراسل مخضرم مثل باتريك كوكبيرن، بتأكيده أن الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقد الماضي، والمتصاعدة اليوم، أسهمت بطريقة ما في صناعة المفاهيم الخاطئة عن هوية المنتصر والمهزوم.

ويعزو كوكبيرن الذي عمل مراسلا في دول عربية لصحيفتي فانينانشيال تايمز، ثم الإندبندت، منذ عام 1979، سبب صناعة “المفاهيم الخاطئة” إلى الصحف والتلفزيون والراديو، حيث لعب الصحفيون دورا مركزيا في ذلك، وهو في كل الأحوال يدرك أنه كان جزءا من هذه الصناعة.

وليس مرتقبا أن يصحو الضمير المهني لوسائل إعلام كبرى للتراجع عن مساهمتها في صناعة أكاذيب احتلال العراق المستمرة، حتى بعد اعتراف توني بلير، على الأقل لإعادة صياغة السؤال التاريخي حول أوضاع البلاد اليوم، ألم يكن العراق آنذاك نوعا من الحل حيال التطرف والفساد وتحويل البلاد إلى مسجد كبير يتنازع فيه المصلون بالحراب حول القصص التاريخية الغامضة!

لقد رفض الأسقف الجنوب أفريقي ديزموند توتو من قبل تقاسم المنصة مع توني بلير خلال قمة دولية استضافتها جنوب أفريقيا، بسبب “جرائمه وأكاذيبه” حول احتلال العراق.

وقال توتو الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1984 “تأييد بلير لغزو العراق أمر لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيا، وسيكون من غير المناسب بالنسبة إلي المشاركة إلى جانبه في هذه المناسبة”.

فهل ستعتذر إمبريالية البث الفضائي “سي إن إن” أو يد بريطانيا الناعمة “بي بي سي” عن مساهمتهما في الحرب غير الأخلاقية وتدمير العراق، كما فعل أسقف مسيحي مخلص لقيمه مثل ديزموند توتو.

سيستثمر بلير اعتذاره غير المكتمل وغير المعبر عن ندمه في مشاريع سياسية وإعلامية ومالية كما يفعل منذ إقصائه من منصبه كرئيس وزراء، وهو ما يستغربه روث تانر الذي يرأس منظمة دولية ضد الحرب والفقر، معبرا عن صدمته في تصريح لصحيفة “صاندي تايمز” بقوله “بدلا من أن يحاسب بلير على أفعاله في احتلال العراق، صار ينتفع على حساب الشعب العراقي”.

وما يزال بلير مصرا على أن العراق في حال أفضل اليوم، ولا يريد أن يسمع كم من العراقيين قتلوا منذ إطلاق كذبته المشتركة مع بوش، وكم يقتل كل يوم منهم في مشهد سياسي عبثي. بينما وسائل إعلام أسهمت في رفع وتيرة الحرب عبر صناعة خطاب الأكاذيب تترك عجلتها تدور دون مبالاة بمؤشر القيم وحساسية المسؤولية العالية ومشاعر الرأي العام. إلا أن التاريخ في النهاية لا يصنعه الكذابون في زمن “المواطن الصحفي”.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم علي الجبوري
الدولة العراق

شكرا بوش .... شكرا بلير ... لا داعي للاعتذار ... لقد انقذتمونا من صدام ... وكافي مزايدات

2015-11-01

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
المزيد

 
>>