First Published: 2015-11-04

الدستور العراقي..و'لا إكراه في الدِّين'

 

الديمقراطية ورطة لمن يريد نسخ 'لا إكراه في الدين'. فهي لا تنحرف عن مبانيها، والمواطنة لا تتجزأ، وطمأنة المواطنين غير المسلمين ليست حراماً.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

احتج غير المسلمين من العراقيين ضد إقرار قانون "البطاقة الوطنية الموحدة"، وكان البرلمان العراقي قد أقره في الأسبوع الفائت (الثُّلاثاء 28/10/ 2015). بلا شك أن لهذا القانون إيجابيات جمة للموطن والدولة، أبرزها تسهيل المعاملات وضبط معلومات الأفراد مثلما هو الحال في البلدان المتقدمة. وما يُسعد أيضاً أن البطاقة خلت من التمييز الطائفي، أي لم يُذكر الدين ولا المذهب في البطاقة نفسها، مع سعي البعض لتدوين ذلك.

جرى العمل بقانون الجنسية (42) لسنة 1924، جاعلاً مَن لديه جنسية عثمانية عراقياً، وغيره من التبعية، فأسس لتمييز استغله الطائفيون من المتنفذين، وأكثر الشُّؤم وقع على مواطنينا الكُرد الفيليين الذين خدموا العراق جيلاً فجيلا، وكان من الأوفق أن يُحسب كل مولود على أرض العراق عراقياً من تلك اللحظة التي بدأ فيها تسجيل العراقيين بعد قيام الحُكم الوطني (1921). مع علمنا أن الجنسية العثمانية لم تكن مختصرة على مذهب دون آخر، وإنما للرعايا العثمانيين كافة، لكن هناك من كان آباؤهم قد سجلوا كرعايا للدولة الإيرانية خلال تعاقب العثمانيين والصفويين على العراق، وهروباً من التجنيد في "السفربرلك"، وكان شديداً على الناس.

مع إيجابيات البطاقة الوطنية، لكن فيها ما لا يقل إيذاءً على أهل العراق الأُصلاء من قانون (1924)، بتمييزهم على أساس الديانة، بما أنه بعيد عن الآية: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256). ذلك حسب المادة (26) من قانون البطاقة: "يجوز لغير المسلم تبديل دينه وفقاً للقانون"، و"يتبع الأولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الإسلامي من الأبوين". كذلك المادة (21) "يُستثنى من أحكام البند (أولاً) من هذه المادة من أبدل دينه إلى دين الإسلام". وحكم (أولا): "للشخص تصحيح اسمه الكامل واسم أمه وجده لمرة واحدة فقط"، هذا للمسلمين أما غير المسلمين فيتم استبدال أسمائهم حسب تبديل الدين.

لقد لاذ المحتجون ضد المادتين بالآية المذكورة أعلاه. لا أُناقش إباحة تبديل الدين أو منعه على المسلم، أو أنه يُقتل في حالة اقتناعه بدين آخر، فالكتاب الكريم لا يمنع ذلك (انظر: العلواني، لا إكراه في الدين إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم). فأمر المرتد إلى الله حسب الآية: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (آل عمران: 85)، و"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99).

حرصتُ على مناقشة القضية من جانب ديني، لأن غالبية البرلمان العراقي من المتدينين، هكذا نفترض لانتماءاتهم الحزبية الدينية، إلى جانب ذلك أن المواطنة في النظم الديمقراطية لا تميز على أساس الدين، ونقول الديمقراطية لأن أعضاء البرلمان والسلطات الثلاثة تسمي النظام بالديمقراطي الدستوري، والدستور يقول: "تكفل الدولة حماية الفرد مِن الإكراه الفكري والسياسي والديني" (37/ج/ثانياً)، وهذا ما ينسجم مع الآية "لا إكراه في الدِّين"! فلماذا يُجبر الأبناء على دين الذي أسلم مِن والديهما؟

اطلعت على أربعة مفسرين: سنيين: محمد الطبري (ت 319هـ) ومحمد القرطبي (ت 671هـ)، وشيعيين: محمد الطُّوسي (ت 460هـ) والفضل الطبرسي (ت 548هـ)، وما قادني لذلك الاستشهاد (الطائفي) كون أعضاء البرلمان من الدينيين ملتزمين بتفاسير كل منهما، فلعل الحديث بلغتهما مجدٍ. حددت التفاسير الأربعة الآية المذكورة أنها غير منسوخة، وخصت أولاد الأنصار الذين تهودوا وتنصروا، فلما طلبوا أمراً نبوياً بإعادتهم جاءت: "لا إكراه في الدِّين"!

سيُرد علينا: هناك آراء أُخرى وردت في التفاسير المذكورة، فلماذا أخذت بهذه دون تلك؟ وحجتي أن أحد هؤلاء المفسرين الكبار اعتبرها "أولى الأقوال في ذلك بالصواب"، ومن جهة أنها الأكثر ملاءمة للنظم المتقدمة، وأكثر صدقاً لمن يدعي أن نظامه ديمقراطي، ويحرص على الدستور الذي يقر مثلما تقدم بـ"لا إكراه في الدِّين". ربما الديمقراطية ورطة لمن يريد نسخ "لا إكراه في الدين". فالديمقراطية لا تنحرف عن مبانيها، ولا المواطنة تتجزأ، وإن طمأنة مواطنيكم غير المسلمين، بأي وسيلة كانت، ليست حراماً، على ما تقدم من تفسير "لا إكراه"!

قال أبو أحمد الكاتب (القرن 3هـ)، وصار مثلاً سائراً: "إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ/ نصيبٌ ولا حظٌ تمنى زوالها/ وما ذاك من بغضٍ لها غير أنه/ يرجى سواها فهو يهوى انتقالها". للشاعر نفسه بيت يحزن كلّ عراقي ينظر في واقعه الراهن الغائر في الجهل: "لا تعجبنْ مِن عراقي رأيت له/ بحراً مِن العِلم أو كنزاً مِن الأدب". قيل: إن الكاتب قد قتل نفسه بالسّم (الثَّعالبي، يتيمة الدَّهر). أقول: الحدثُ يوهمنا أمراً!

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
الفكر الإسلامي.. نتاج أزمنة وظروف
2017-08-17
عِمامة الصَّدر إلى السُّعودية.. ليست الأُولى
2017-08-09
عتاب صاحبي الفلسطيني حقٌ.. ولكنْ!
2017-08-02
التعليم الديني.. سرطان العقل العراقي
2017-07-26
الموصل.. بين مزغرد ومتردد
2017-07-19
كرار نوشي.. ثمرة تحريض المنابر
2017-07-12
وطنٌ.. ماذا تركتم في رماده؟
2017-07-05
الحَدْباء.. كم حَدبَ الدَّهرُ عليها!
2017-06-28
كردستان العراق: «فقد تُبلى المَليحةُ بالطَّلاقِ»!
2017-06-21
إسلاميو العراق.. التضامن مع الدوحة!
2017-06-14
المزيد

 
>>