First Published: 2015-11-05

كذبة السلطات الثلاث في العراق

 

يُراد أن يكون العراق ديمقراطيا حين يتم الحديث عن فصل السلطات الثلاث في الوقت الذي يمتد خيط شرير من التواطئ بين تلك السلطات بما يجعل منها سلطة واحدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

حين اكتشف العراقيون أن هناك سلطات ثلاثاً، كان الوقت قد تأخر كثيرا، بحيث لم يعد الفصل بين تلك السلطات بالنسبة لهم ممكنا إلا نظريا. غير أن ما لا يجرؤ أحد على التصريح به صارت الوقائع تفصح عنه. فالسلطات الثلاث لم تكن في حقيقتها إلا سلطة واحدة وأن كل شيء في الحياة السياسية العراقية يخضع لقانون الاواني المستطرقة.

لقد أنشأ المحتل الاميركي بعد عام 2003 نظاما قائما على أساس المحاصصة الطائفية. وهو ما يعني أن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية يجب أن توزع بين ما سمي بالمكونات بموجب معيار، معروف سلفا ميزان القوى فيه.

وكما ظهر فإن المحتل كان قد اعتمد على كتل حزبية بعينها لتمثيل تلك المكونات في السباق إلى السلطة وهو ما جعل تلك الكتل تتوافق في ما بينها على أن يكون الشيعي شيعيا والسني سنيا والكردي كرديا، بغض النظر عن موقف ذلك المرء من شيعيته أو كرديته أو سنيته. اما حين يبدي المرء امتعاضه من ذلك النسب الطائفي أو العرقي فإن الطريق إلى السلطة ومغانمها ستكون أمامه مسدودة.

تلك الكتل الحزبية هي التي صارت تتقاسم الكراسي في السلطات الثلاث، من غير أن تعرض سلوكها للمساءلة النقدية التي يفرضها وجود نظام ديمقراطي، تكون فيه السلطات الثلاث منفصلة، بعضها عن البعض الآخر.

فالكتلة الشيعية، المنقسمة على نفسها عمليا، تتحد حين تتزعم البرلمان والحكومة والقضاء. مَن يسأل مَن؟ ومَن يحاكم مَن؟

لقد مرت عشر سنوات تقريبا على البدء بتلك التجربة الديمقراطية ولم يُحاكم شيعي واحد بتهمة الفساد، بالرغم من أن الوزارات التي هي من حصة الشيعة كانت قد شهدت عمليات فساد عظمى.

حين تم القاء القبض ذات مرة على وزير شيعي كانت تهمة اللصوصية ثابتة عليه تم تهريبه من السجن وتسهيل سفره إلى وطنه البديل.

الكتلتان الآخريان (الكردية والسنية) لم تكونا أقل شطارة.

وهما لم تضحيا بحصتهما في السلطات الثلاث، بالرغم من أن الكتلة الأكبر كانت لا تكف عن كيل الاتهامات لهما. فلم يحدث أن تخلت كتلة عن حصتها، بسبب الفساد أو عدم النزاهة أو ضعف الاداء أو غياب الشعور بالمسؤولية.

كان لكل كتلة منهما مَن يمثلها في السلطات الثلاث وهو مَن يحمي مصالحها ويرعاها وهي تنساب بطريقة مرنة من السلطة التشريعية لتخترق السلطة التنفيذية مستعرضة فسادها بكل ابهة أمام السلطة القضائية.

ما لم يفعله النظام الشمولي السابق صار نظام المحاصصة يفعله بطريقة استعراضية رخيصة ومبتذلة.

لم يكن ذلك النظام السابق يكذب، فلا سلطات ثلاث لديه لك يتم الفصل بينها. مَن يشرع هو مَن ينفذ وهو مَن يحاكم. كانت المسألة واضحة ومعلنة ومتفق عليها بين قيادة اعتبرت نفسها تاريخية وبين شعب لم تخدش حياءه فكرة مبايعة تلك القيادة المستبدة. ومع ذلك كانت السلطات الثلاث تعمل أحيانا بمهنية عالية، من غير أن تولي فكرة انفصالها، بعضها عن البعض الآخر أهمية تُذكر.

اليوم تبدو اللعبة مختلفة من جهة خلوها من الأخلاق ومن المهنية معا.

يُراد أن يكون العراق ديمقراطيا حين يتم الحديث عن فصل السلطات الثلاث في الوقت الذي يمتد خيط شرير من التواطئ بين تلك السلطات بما يجعل منها سلطة واحدة.

يبدو أن سياسيي العراق الجديد لا يملكون من صفة السياسي سوى صفة واحدة هي الكذب. غير أنهم ولسذاجتهم وقلة حيلتهم يكذبون حين يكون الكذب مفضوحاً.

فالعبادي وهو رئيس السلطة التنفيذية في العراق والذي يحاصرونه اليوم بتهمة التعدي على صلاحية السلطة التشريعية كان قد ارتكب خطأ الاطاحة برؤساء الكتل السياسية في البرلمان وتقديمهم إلى القضاء، متوهماً أن سلطته يمكن أن تكون منفصلة عن السلطتين.

لقد كان ذلك فعلا فاجعا بالنسبة لأباطرة الفساد في العراق.

لذلك قررت جميع الكتل السياسية أن يكون النبذ هو مصير العبادي. وهو ما كان العبادي نفسه يتوقع حدوثه حين كان يؤكد أنه يراهن من خلال الاصلاحات على حياته الشخصية.

لقد صدق الرجل كذبة، كان هو أحد مسوقيها.

وكما توصف الديمقراطية في العراق باللعبة، فإن السلطات الثلاث هي الملعب الذي تمارس فيه تلك اللعبة بالطريقة العراقية التي تخلو من أية مهارة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الصلاة مناسبة للعبادة وليست تظاهرة سياسية
2017-11-22
دعوة لتدويل الصراع مع إيران
2017-11-21
أباطيل حزب الله
2017-11-20
لتذهب إيران حيثما تشاء
2017-11-19
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
المزيد

 
>>