First Published: 2015-11-06

سوء الحظ أم سوء الاحوال الجوية

 

ما الذي حدث لكي يكون الخير الذي ينطوي عليه سقوط المطر سببا آخر من أسباب الموت العربي؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

صارت الناس في العالم العربي تموت بسبب المطر.

لم يكن ذلك يحدث من قبل. أم أنه كان يحدث ولا نسمع به؟

الالفية الثالثة حملت معها عدوا جديدا للعرب هو المطر.

تنخفض درجة الحرارة في شمال الكرة الارضية إلى ما تحت الصفر المئوي بعشرين درجة ولا يموت هناك الناس. تسقط الثلوج في أماكن مختلفة من العالم وتغطي الارض طوال فصل الشتاء ولا يموت الناس. تتعرض اليابان للزلازل فتهتز الارض ولا يموت الناس هناك. تعود البراكين احيانا إلى سيرتها الاولى فتتصاعد حممها الحمراء ويصير النهار ليلا ولا يموت الناس.

اما سقوط المطر فهو مناسبة للفرح. إنه سبب آخر للشعور بأن الطبيعة تكافئ البشر فتهبهم نعمة مجانية حين تدير شؤونها بنفسها.

ألم يكن العرب يقيمون صلاة الاستسقاء من أجل أن يسقط المطر لترتوي الأرض؟

ما الذي حدث لكي يكون الخير الذي ينطوي عليه سقوط المطر سببا آخر من أسباب الموت العربي؟

أعتقد إن قيما أخلاقية كثيرة أندثرت بحيث صارت الأشياء تتخذ طابعا مناقضا لحقيقتها. فالطوفان الذي راينا صوره الكارثية في غير مدينة عربية ه لم يكن طوفانا من صنع الطبيعة، بل هو صنيع بشري، مصدره فساد المؤسسات المسؤولة عن اقامة البنية التحتية وصيانتها والتخطيط لقدرتها على استيعاب مفاجآت الطبيعة التي هي في الحالة العربية ليست مدمرة.

لم تتعرض المدن التي غرقت للأعاصير المائية، بل لإعصار أشد فتكا هو إعصار الفساد الذي نخرها ودمر بنيتها الأخلاقية بحيث صارت نعمة المطر نقمة، تتقافز شياطينها في كل واد.

المطر الطبيعي ليس هو السبب في ما نراه من مشاهد رثة، تذكر بمشاهد الدول الفقيرة التي تقف أمام سوء الأحوال الجوية مكتوفة الايدي بسبب عجزها عن انشاء شبكات لتصريف المياه، تكون قادرة على احتواء المياه التي تهاجمها.

وكما يبدو فإن الطبيعة هي الآخرى صارت تلقن العرب دروسا في العدالة المنسية وتذكرهم بوطنية، صار الكثيرون منهم ينظرون إليها بإستياء، بإعتبارها جزءا من مخلفات ماض، صار واجيا على المرء أن يتخلص منه ليكون منسجما مع ذاته الغارقة بجشعها.

وإذا ما نظرنا إلى ما فعلته الطبيعة بعين نقدية منصفة، يمكننا القول بثقة أنها لم تفعل ما يسيء إلى البشر وما يضر بمصالحهم. فلو أن الاردن، وهو البلد الذي يعاني دائما من شحة المياه، كان قد هيأ منظومة هندسية لتصريف المياه لكان اليوم أكثر بلدان العالم سعادة بهطول الأمطار.

الطبيعة تهبه بيسر ما ينفق من أجل الحصول عليه جزءا مهما من أمواله.

ولكن ما حدث واقعيا كان العكس تماما.

اما العراق فإن حكايته أكثر كآبة.

فالبلد الزراعي لم يعد يزرع. أراضيه الخصبة صارت بورا. أما نهراه اللذان هما من أنهار الجنة فصارا عبارة عن مجريين تعز فيهما المياه أحيانا، بسبب العدد الكبير من السدود المائية الذي أقامته تركيا، من غير أن تحترم حقوقه في المياه التي نصت عليها الاتفاقات الدولية.

غير أن للعراقيين وجهة نظر آخرى.

فبدلا من أن يشكروا الطبيعة التي التي تنقذهم من رثاثة سياسييهم وضعفهم وانحطاط همتهم الوطنية صاروا يلعنون الساعة التي يسقط فيها المطر. شعب المياه العذبة التي كان مزاجها ألذ من مزاج مياه أكثر الينابيع ندرة وقع في غرام المياه المعلية التي تستوردها له حكومته الرشيدة من الخارج.

المشكلة ليست في المطر.

المطر لا يقتل أحدا.

المشكلة في الشعوب التي قررت أن تستغني عن المطر، لتكافئ نفسها بالموت الذي يقع كلما قررت الطبيعة أن تكون عادلة في توزيع ثرواتها.

المطر كالنفط ثروة عظيمة حولها العرب إلى سبب للشقاء.

 

فاروق يوسف

الاسم عراقي
الدولة العراق

ابدعت ياسيدي مع التحية

2015-11-07

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
المزيد

 
>>