First Published: 2015-11-08

الإمبراطور يتراجع، الأخبار ليست للبيع!

 

الإخفاق الرقمي لأشهر الصحف البريطانية الشعبية سيمنح المهتمين بالإعلام الرقمي فرصة التأكيد أو التراجع عن تحذيراتهم حول بيع المحتوى على الإنترنت، والمراهنة على القراء الأوفياء لصحفهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

قبل أربعة أعوام كان إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ يعبر عن ثقة فائقة في استعادة العائدات الكبيرة التي انهارت في سوق الصحافة المريضة مع بيع محتوى الصحف الرقمية، كان يتحدث حينها عن صناعة مضمون مختلف ونوعية أفضل مقارنة مع الآخرين كي تحذو حذوه وسائل إعلامية أخرى.

تحدث باسم الناس ونقل سعادتهم آنذاك بدفع رسوم مقابل المعلومات والقصص الإخبارية حول المشاهير التي كانوا يحصلون عليها مجانا.

حينها قررت مجموعات نشر تقليدية مثل نيوز كروب ونيويورك تايمز وأكسل سبرينجر أن تخوض التجربة وتبدأ بفرض رسوم مقابل الأخبار التي تنشر على الإنترنت مجازفة بتقليل حجم مستخدميها للحصول على مكاسب محتملة من خلال إيرادات الاشتراكات، وفي تعديل على مبدأ مجانية الإعلام على الإنترنت.

المتابعون الإعلاميون عبّروا عن خشيتهم من نجاح هذه الإستراتيجية ووصفوها بعالية الخطورة بسبب توفر مقدار كبير من الأخبار مجانا على شبكة الإنترنت.

وكان السؤال الموجه إلى الإمبراطور حينها من يشتري أخبارا في زمن المواطن الصحفي؟ إلا أن الإجابة الأهم انطلقت من آلان روسبردجر، رئيس تحرير صحيفة الغارديان السابق، عندما أشار إلى قيام مردوخ من قبل بتسعير صحفه بمبالغ ضئيلة جدا تصل إلى أقل من سعر التكلفة من أجل الاستحواذ على الجمهور، وهو نفسه الذي يطالب اليوم بفرض رسوم على دخول القارئ على موقع الصحيفة على الإنترنت.

روسبردجر كان يرى أن المستقبل للصحافة الورقية والرقمية جزء منه وأن الأكثر تميّزا هو الذي يفرض نفسه ويوثق علاقته مع القارئ. واليوم تخفق ذا صن أشهر الصحف الشعبية البريطانية في بيع محتواها الرقمي “المثير” بعد تجربة وجدت فيها عزوف القراء عن موقعها الإلكتروني، لتعود إلى فتح صفحاتها أمام المستخدمين مجانا بداية من نهاية شهر نوفمبر الحالي.

الصحيفة المصنفة ضمن “الثقافة الواطئة” قياسا “للثقافة العالية” التي تمثلها صحيفة تايمز ضمن مجموعة نيوز كروب التي يمتلكها روبيرت مردوخ، تعترف بتجربة إخفاق رقمية لصحيفة تقليدية.

وهذا الإخفاق تفسره ريبيكا بروكس، المشرفة على الصحيفتين، “بالتطوير الإلكتروني الذي سيضمن الحفاظ على المكانة المتفردة التي تحتلها ذا صن في الثقافة البريطانية”.

وهذا كلام مختلف عمّا قالته ريبيكا من قبل بصفتها الذراع الإعلامية لمردوخ وتبنت إستراتيجية فرض رسوم على دخول الموقع الإلكتروني للصحف، عندما وصفت الخطوة آنذاك بالحاسمة لجعل الأعمال التجارية للأنباء اقتراحا اقتصاديا مثيرا. معتبرة قرار مردوخ بفرض رسوم على المستخدمين، أنه جاء في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الصحافة، “ويمثل البداية على طريق الاستمرار في تطوير المنتجات الرقمية والاستثمار والابتكار من أجل القراء”.

سنجد صعوبة في تفسير اندفاع ريبيكا بروكس، المرأة التي لم تتنازل عن شجاعتها بعد أن قضت أربع سنوات أمام القضاء تبرئ سمعتها من تهمة التورط في أنشطة جنائية لاختراق هواتف المشاهير وأسر ضحايا في حرب العراق وأفغانستان، وهي تتحدث عن إستراتيجية فرض رسوم على مستخدمي الموقع الإلكتروني ومن ثمة التراجع عن تلك الإستراتيجية، غير إخلاصها لمردوخ بصفتها ذراعه الإعلامية.

إذ لم يحدث أن وفت بوعدها السابق في تطوير المنتجات الرقمية والابتكار في المحتوى، وفسرت بعد ذلك الإخفاق في بيع المحتوى الرقمي بالحفاظ على مكانة ذا صن في الثقافة الشعبية.

ومهما يكن من أمر فإن تراجع أشهر الصحف الشعبية البريطانية التي توزع أكثر من مليون نسخة بمثابة الدرس الأول الفعلي حول بيع المحتوى الرقمي الذي لم يدم طويلا بعد أن خذلها “المستخدمون”، وهو تعبير يبدو أكثر دقة من “القراء” لأنها مازالت تنافس الصحف الشعبية الأخرى في أرقام التوزيع.

مثل هذه الصحيفة مقياس معبّر عن توجه القراء الإنكليز، فقارئ التايمز والغارديان سيمد شفته تبرّما عندما تحدثه عن ذا صن، ويكتفي بتعليق مقتضب في نوع من التعالي، أو يهز رأسه بلا تعليق.

لكن الإخفاق الرقمي لهذه الصحيفة سيمنح المهتمين بالإعلام الرقمي فرصة التأكيد أو التراجع عن تحذيراتهم حول بيع المحتوى على الإنترنت، وسيصبح تاريخ الثلاثين من نوفمبر عندما تعود صفحات الجريدة مجانية لمستخدمي الإنترنت، فاصلة رقمية لمزيد من التحليلات، لكنها بالتأكيد لن تكون وفق اعتبارات ريبيكا بروكس التجارية التي تميل أينما مال سيّدها مردوخ. ثمة ما ينتظر الإعلام الرقمي والمراهنة على القراء الأوفياء لصحفهم، والأكثر لصناع المحتوى المعرضين للإخفاق أكثر من النجاح.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>