First Published: 2015-11-13

أزمة 'نداء تونس': أعراض انقلاب على القصر!

 

لا أسف على حزب 'نداء تونس' إذا ما أرادت بنيته التشقق، فالتونسيون لا يعتبرونه حزباً سياسياً حقيقياً، بل تجمع صدفة مفتعلاً من أجل مواجهة الخصم الواحد: حركة النهضة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

بقدر ما اهتم العربُ بالشأن التونسي الحديث بصفته استثناء في المشهد الكارثي لـ "ربيعهم"، يشعرُ المراقب العربي بقلق مُلِح إزاء الأزمة الخطيرة التي تعصفُ بحزب "نداء تونس". فللأزمة مآلات محتملة قد تهددُ التجربة الديمقراطية السلمية التي خاضتها البلاد، والتي إعتبرت نجاحاً في كيفية مقاربة المأزق بخيارات تسووية خلّاقة، مقارنة بالمآسي التي تشهدها ساحات "الربيع" الأخرى، لا سيما في ليبيا وسوريا واليمن.

مثّل "نداء تونس" الذي أسسه (2012) رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي نداً جريئاً ضد الإسلام السياسي التونسي الذي سيطر على المشهدين السياسي والميداني بعد انتقاصة "7 جانفيه". تولت حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي قيادة المشهد السياسي، فيما هيمن السلفيون الجهاديون على الفضاء الميداني، بما أدخل البلد في صراعات داخلية وانزلاقات أمنية (أبرزها مواجهات جبل الشعانبي وعمليتي إغتيال القياديين اليسارين شكري بلعيد ومحمد البراهمي). وفيما تصدى خصوم الإسلام السياسي من بورقيبيين ويساريين وليبراليين لخيارات الإسلاميين في الحكم و"الجهاد"، لعّب حزب السبسي دوراً محورياً في استقطاب مزاج الرافضين للتيار الإسلامي وسوْقه نحو صناديق الاقتراع.

انقلبت تونس على إسلامييها في انتخابات العام الماضي (أكتوبر/تشرين الأول). تراجعت حركة النهضة بما لا يؤهّلها قيادة الحكم في البلد، وتصدّر "نداء تونس" المشهد السياسي (86 نائباً من أصل 217). كان بإمكان الحزب أن يلجأ إلى تحالفات تُبعد حركة الغنوشي عن الحكم نهائياً، لكن، ولحِكمةٍ ما، أو بسبب ضغوط خارجية ما، ارتأى الرئيس السبسي الائتلاف مع حركة النهضة داخل حكومة واحدة، ما فاجأ خصوم الإسلام السياسي في داخل تونس وفي العالم العربي.

رأى رجل تونس الأول أن يُكمل تواصله الشخصي القديم مع رجل "النهضة" الأول، وألا يغامرَ في التعايش مع توتر داخلي من خلال إقصاء القوة الانتخابية الثانية في البلاد (69 مقعداً). بدا واضحاً أن "النهضة" ابتلعت خسارتها ولم تذهب باتجاه احتلال مقاعد المعارضة، بل سعت للاكتفاء بأقصى الممكن. كان في ذهن الغنوشي ما حلّ بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكان في ذهن السبسي القلاقل التي تعيشها مصر مذاك.

لا ينظرُ التونسيون إلى "نداء تونس" بصفته حزباً سياسياً حقيقياً. يعتبرُ المراقبون أن حزب السبسي هو كناية عن تجمع صدفة مفتعل من أجل مواجهة الخصم الواحد: حركة النهضة. الحزب خلطة انتهازية تجمعُ تيارات ومشارب ووجوه، ما بين يسار ويمين، وما بين شخوص زمن بن علي والمنتفضين عليه. والحزبُ هو تآلف لوبيات متعددة على حدّ وصف مراقبي الشأن التونسي.

في المنطق أن لمُنتج "نداء تونس" مدّة حياة تنتهي، كما أي مُنتج كيميائي، بتاريخ لإنتهاء صلاحيته. وأن المكوّنات الداخلية للحزب، وبسبب ديناميات ممارسة السياسة والتوْق للبقاء والترقي والخوف من الإنقراض، ستفرزُ ما يجعلها متنافرة متناقضة منتجة لحيوية طاردة. فالحزب ليس عريقاً في التجربة والمراس ليقي بقاءه شرور النكسات، وليس عقائدياً يحصّن مناعته بالنصوص وقصص الأولين، كما أن مبررَ وجود الحزب تعلّق بشخص المؤسس، فإذا ما ابتعد المؤسس، بعد تبوئه رئاسة البلاد، وقلّت مصلحته فيه، سقط عن الحزب ما يكشفُ عوراته.

ينقسمُ الحزب بين جناح يقوده أمين عام الحزب محسن مرزوق (نقابي يساري)، يدعمه على ما أثبتت التطورات، قسم كبير داخل الحزب، وبين جناح آخر يؤازر حافظ السبسي نجل الرئيس (دستوري بورقيبي محافظ). يحتجُ المعترضون على الدور الذي يلعبه رضا بلحاج رئيس ديوان الرئاسة، اليساري سابقاً، في دعم إبن الرئيس، بما يعتبر تدخلا من الدولة بشؤون الحزب الداخلية واستخداماً لإسم رئيس الجمهورية للعبث في انسجامه.

أزمة "نداء تونس" الراهنة (ظهرت أعراضها الأولى باستقالة الوزير الندائي لزهر العكرمي) لا تختلفُ عن الأزمات التقليدية التي تعصف بالأحزاب عامة، والعربية خاصة. وتكادُ تفاصيل الأزمة تصيبنا بالملل لتخصبّها بكمّ وفير من القيل والقال وضجيج "الكولسة" وروائح النميمة، بما تحمله في ثناياها من علل التوريث والمنافع والمحسوبيات والشللية. أزمة حزب الرئيس هي نموذج لاختلاط العائلي بالحزبي وتشابك ما هو حكم وسلطة بما هو حزب وسياسة.

ما بين أب وإبن ومنافسين وطامحين وانتهازيين ومبدئيين مخلصين تنهارُ الغالبية البرلمانية لحزب الرئيس التي احتفى بها التونسيون غداة الانتخابات الاخيرة. تمنحُ استقالة نواب "النداء" الغاضبين من الحزب (32 نائباً) وذهابهم لتشكيل كتلة برلمانية مستقلة عن الحزب، هدية مجانية لحركة النهضة، التي تصبح، بين ليلة وضحاها، في صدارة الكتل البرلمانية في مجلس النواب التونسي (تتراجع بذلك كتلة "النداء" إلى 54 نائباً). بمعنى آخر تشكّل أزمة الندائيين طعنة في ظهر الكتلة الانتخابية التي زحفت لإنزال هزيمة بحزب راشد الغنوشي قبل عام.

في يأس الإنسان العربي من أداء نُخَبِه السياسية ما إعتاد عليه وإعتبره تقليدياً، وربما ثقافياً في تركيبتنا الاجتماعية، التي لا يمكّن مقارنتها بتجربة الأحزاب في العالم وتمارينها في الحكم. لكن العرب نظروا، مع ذلك، بعين الإعجاب لنُخب تونس السياسية التي تمتعت بترف الحوار والخروج بآليات حضارية استحقت جائزة نوبل للسلام لهذا العام. وربما بسبب قوة ذلك الإعجاب يتأملُ نفس المراقب الحدث التونسي هذه الأيام بعين قلقة على نموذج كان مأمولاً شيوعه وانتشار عدواه.

تقعُ لغة المتخاصمين في تونس في البحث عن مؤامرة، ولو خارجية، لتبرير العلّة، تجنباً للاعتراف بأمراض ذاتية جوانية، منها المستجد ومنها المزمن. الطاعون يأتي تارة من الخارج الدولي منذ زيارة محسن مرزوق لواشنطن وعودته، حسب مزاعم خصومه، بخطة للـ "إنقلاب على الرئيس"، وتارة من خصم داخلي يتهم النهضة بالتآمر لتقويض الحزب الذي أنهى غلبة الغنوشي وصحبه على الحكم. وبين هذا وذاك يروج ما هو بلاغي شعبوي يشحذ شهية الاستهلاك ويقوي من حوافز المستهلكين.

في ما عاشته تونس منذ اللحظة البوعزيزية الأولى ما لا يستحق استهتاراً واستخفافاً بالبلد وشعبه. وفي مواجهة تونس والتونسيين للإرهاب الذي أغار على مدنهم وشواطئهم ومتاحفهم ما لا يستحقُ غرق النخب بمماحكات بيتية تذكّر بتلك ما وراء جدران قصر قرطاج أيام العهود السابقة.

على أن أزمة "النداء" الحالية، على عفنها، تفرضُ على التونسيين انتاج عبقرية قديمة جديدة للخروج من عنق الزجاحة. واللافت أن حركة النهضة تعلن أنها لا تتدخلُ في شؤون "النداء" الخصم (رغم ميلها لمساندة دستوريي السبسي ضد يسارييه)، فيما جلّ المراقبين يجمعون أن حزبَ الغنوشي لن يُقْدِم على الإطاحة بالتشكيلة الحاكمة، ولا هو طامح للعودة إلى غلبته القديمة، ليس فقط تعففاً من قبل النهضويين، بل لأن الأسباب الداخلية والإقليمية والدولية التي ضغطت باتجاه تقليص حجمهم ما زالت حاضرة ولا تشجع على توازنات بديلة.

لا أسف على حزب "نداء تونس" إذا ما أرادت بنيته التشقق، وليس خطأً غياب أحزب وخروج تيارات من عباءة أخرى فذلك ناموس الطبيعة وقوانينها في العالم أجمع. والحنكة بتجاوز الأزمة بأقل خسائر لتونس وليس لأحزابها. وربما أن أزمة الـ "ندا" هي نتاج حاجة خارجية قلقة من ضعف الإدارة السياسية للبلاد، ونتاج حاجة داخلية لانتاج حيوية جديدة داخل الفضاء التونسي العام لتجاوز ستاتيكو معيّن قد يصيب العمل السياسي ببلادة لم تعدّ تتسق مع معايير العصر وقواعد هذا الزمن.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
الدولة والدويلة في صلح حماس والسلطة!
2017-10-06
البيت الخليجي ما بعد أزمة قطر
2017-09-29
بارزاني ينتج ببراعة أمصالا مضادة لاستقلال دولته؟
2017-09-22
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
المزيد

 
>>