First Published: 2015-11-15

انقراض الصحافة المتخصصة

 

التحذير من انقراض الصحافة المتخصصة لا يتأتى من عدم وجود مثل هذه الصحافة، لكن من طريقة اشتغالها بطريقة متشابهة ومملة من قبل صحفيين غير متعمقين في ما يحررونه من أخبار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

بالأمس سمّت أشهر الصحف المصرية في متن أحد تقاريرها شاعرا بصفته ملحنا، وتحدثت عن ألحانه بثقة إخبارية ملفتة! سنجد أمام هذا المثال العشرات الأخرى التي تجعل من “الصحفي” يتحرك بأدوات يجهل التعامل معها ويدفع بها عنوة من دون الالتفات إلى وعي القارئ.

إذا كنا نعرض لخطأ مريع في موضوع دائم التداول في الصحافة كخبر الشاعر الذي أضحى ملحنا، فلنا أن نتخيل صورة أن يعد صحفي تقريرا علميا، أو يعالج تداعيات خطأ طبي في أحد المستشفيات أو يعرض لفكرة اقتصادية تتحدث عن أسعار الفائدة، أو يكتب عن سرعة معالجات الكمبيوترات وعدد العمليات التي تقوم بها في الثانية.

لا تنتهي الصحافة عند القصة الإخبارية السياسية التي عادة ما تحمل من التداعيات أكثر مما تعرض لجديد الخبر وهو ما يستسهله الصحفيون في إعداد مثل هذه القصص، ولا تنتهي أيضا عند القصة الصحفية الثقافية التي تكاد تفقد مواصفاتها بسبب طريقة كتابتها الأدبية وإغراقها في الحسية والتعبيرية على حساب المعلومات، فعلى جماليتها تصبح مثل هذه التعبيرية عائقا أمام أهمية ما تريد إيصاله.

من المؤسف القول إن الصحافة بشكل عام تفتقد اليوم إلى الصحفي المتخصص، وليس الطبيب أو الفيزيائي أو الاقتصادي الذي يمارس الصحافة كعمل ثانوي. سنجد مثل هؤلاء يجتهدون ويستخدمون معارفهم في إعداد التقارير وكتابة الأعمدة، لكنهم في النهاية يمارسون مثل هذا العمل الصحفي من خلف جدار اهتمامهم باختصاصهم وعملهم الأول غير الصحفي.

للصحفي المتخصص دور مهم في المعرفة وتقريب المعلومات إلى القارئ بلغة صحفية وليست علمية جامدة وتعريفه بدلالة وأهمية الأرقام ومستوياتها البيانية وإضاءة الزوايا الغامضة في القصص العلمية والطبية والتكنولوجية عبر سياق العرض والتحليل.

ليس بمقدور أي صحفي أن يصنع قصة إخبارية من خطأ طبي أحدث مأساة، إن لم يكن يمتلك معلومات صحيحة عن الأمراض وأسبابها وطريقة علاجها، وإلا سيعيد علينا الكلام المتداول بين الناس أنفسهم عن مثل هذه الأخطاء الطبية.

هناك التباس حقيقي شائع بين الجمهور حول المفاهيم الاقتصادية السائدة الآن وأسعار الفائدة وسوق الأسهم، لكن الصحف تعيد تكرار بيانات ما ترسله وكالات الأنباء حول هذه التقارير من دون أن تتدخل في إيضاح مثل هذه المفاهيم للقارئ العادي على الأقل لإعادة شد انتباهه لصفحات الاقتصاد.

الأمر نفسه يحدث مع بقية الصفحات المتخصصة في الطب والعلوم والتكنولوجيا، ولو تسنى للقراء التعامل مع مثل هذه الصفحات كما يتعاملون مثلا مع الصفحات الرياضية سنعيد ترتيب العلاقة بين الصحف وقرائها الأوفياء.

ثمة إبهار وانسياق وراء التقارير حول أخبار ونشاطات الفضاء وما تقوم به المركبات الفضائية وحياة الرواد هناك، ومن المثير ألا يجد القارئ أي اختلاف بين عشرات الصحف في تناول مثل هذه القصص بسبب أن مصدرها واحد! لذلك ستصبح القصة مختلفة كليا عندما توضع بيد صحفي متخصص يعيد توجيهها من زوايا صحفية يدرك أهمية وفائدة إيصالها إلى القارئ مع جوانب تحليلية.

أغلب الصحف اتبعت سياسة قصيرة النظر عندما وضعت الصحفيين المتخصصين في أسفل اهتماماتها ربما بسبب التكلفة العالية أو لعدم تقدير أهمية وجودهم في الصناعة الصحفية، مع أنهم يستطيعون صناعة قصة إخبارية مفيدة وحصرية وتخليص الصحف من تكرار أخبارها السياسية والدوران في حلقة متشابهة.

التحذير من انقراض الصحافة المتخصصة لا يتأتى من عدم وجود مثل هذه الصحافة، لكن من طريقة اشتغالها بطريقة متشابهة ومملة من قبل صحفيين غير متعمقين في ما يحررونه من أخبار، ولا يمتلكون أفكارا ولا رؤى مستقبلية وينتظرون ما يصلهم فحسب لإعادة تدويره.

الصحفيون المتخصصون يمتلكون حساسية عالية ومسؤولية أن تكون المعلومة دقيقة ويعتمدون على مصادر ذات مصداقية ومعرفة عما تتكلم عنه، ولا يهتمون بالآراء الشخصية المراوغة والمتطفلة على غير اختصاصها، لذلك صار من الأهمية أن يتوفر مثل هؤلاء الصحفيين في عالم تسيره التكنولوجيا العلمية ويشد الناس بالابتكارات، فيما وسائل الإعلام تكتفي بتناول الضوء الخارجي المبهر في هذه الابتكارات، لأنها تفقد الصحفي الذي يحلل أهمية ما بيد الناس وفائدته وحتى طريقة استخدامه.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
المزيد

 
>>