First Published: 2015-11-17

سوريا: موسكو الأطلسية!

 

لم تعد المعركة السورية معركة إيرانية، بل أصبحت روسية بامتياز، بمباركة غربية أطلسية كاملة، والتمرين الجوي الروسي ـ الأميركي المشترك خير دليل على ذلك.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يروي غاري كاسباروف، لاعب الشطرنج الروسي الشهير المعارض لسيّد الكرملين، لـ "دير شبيغل" الألمانية، أن الرئيس فلاديمير بوتين يحتاجُ للحروب، بما فيها تلك في سوريا، ليحصّن شرعيته المتصدّعة. يدافع بوتين عن حدائق موسكو الخلفية بمفرده في جورجيا وأوكرنيا، لكنه يدرك أن نزاله في سوريا لن يكون بمفرده وأن الرقص هناك يحتاج لموسيقى الآخرين، وعليه يعدّل الرجل سلوكه ويعيد تصويب أدائه.

تعلنُ موسكو أنها قصفت أهدافاً للإرهابيين في سوريا بناء على معلومات زُوّدت بها من قبل "ممثلين للمعارضة السورية". لا تفاصيل مفيدة حول هوية هؤلاء المعارضين وانتماءاتهم. تكتفي الجهاتُ الروسية بالحديث عن آلية تنسيق لا تكشفُ عن طبيعتها.

تطوّرَ موقفُ العاصمة الروسية منذ بدء عملياتها العسكرية في سوريا. أضحت روسيا تعترفُ بوجود معارضة ميدانية تنسّق وتتعامل معها بعد أن كانت أهدافها منصبّة على رفد النظام في دمشق، وبعد أن رأى وزير خارجيتها ألا فرق بين الإرهابيين والمعارضة المعتدلة. تجهدُ موسكو في الحديث عن تواصل يومي مع المعارضة، فيما تلك الأخيرة، المتمثّلة بالإئتلاف والجيش الحرّ والفصائل المعروفة، ما انفكت تنفي هذا التواصل، أو أنها لا تعرفُ خرائطه.

المهم في الأداء الروسي أن موسكو تُبلغ دمشق، وربما طهران، اعترافها بوجود معارضة يجب مقاربتها والتعامل معها وإشراكها بالتسوية العتيدة، كما تُبلغ المعارضة فتحها لبازار التسوية معها، بما يتطلبه ذلك من نقاش ومداولات وتواصل. تدركُ دمشق ذلك فتؤجّل الحلّ إلى ما بعد القضاء على الإرهاب (الأسد)، وترفض الحديث بتاتاً عن فترة انتقالية (مقداد)، وتظهرُ من طهران العلامات الأولى للخلاف مع روسيا إزاء الحلّ السوري.

لم تعد المعركة السورية معركة إيرانية. أضحت طهران عاملاً ثانوياً، على الرغم مما تمتلكه من نفوذ وقوات في الداخل السوري. المعركةُ السورية هي معركة روسية بامتياز تسعى موسكو بهمّة عالية لافتة للفوز بها، فتهيمن، إضافة إلى الأجواء السورية، على الورش الدبلوماسية الكبرى، سواء في فيينا، أو تلك مع المبعوث الدولي دي ميستورا، أو ما يُحضّر له من مداولات سورية - سورية في موسكو. يواكبُ الغرب المسعى الروسي برعاية كاملة، بغضّ النظر عن التحفّظات التي تُطلق للاستهلاك غير المفيد.

يقدّمُ التمرين المشترك الذي قامت به طائرات روسية وأميركية في الأجواء السورية للتنسيق بين سلاح الجو بين البلدين، حسب إعلان وزارة الدفاع الروسية، صورة عن حالة تواصلٍ نادرة بين "الأطلسي" والجيش الروسي. تعكسُ المناسبة مستوى امكانات التوافق في شأن تعامل الغرب مع الجهود الروسية إزاء الحالة السورية في الراهن والمستقبل، على نحو يفيدُ أن مناورات موسكو الدبلوماسية ليست بالضرورة تعبيراً عن مزاج روسي خالص، بل هي نتاج وفاق دولي تقدّم موسكو واجهته الظاهرة (لاحظ السكوت الغربي هذه الأيام عن التوتر المستمر بين أوكرانيا وروسيا).

ينسحبُ أمر ذلك على فتاوى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بالتنسيق مع الممثل الدولي ستيفان دي ميستورا، في مطالبته بمعايير لتحديد هوية المعارضة المعتدلة التي يحقُّ لها الدخول في بازار التسوية. بكلمة أخرى تنتقلُ روسيا من طوّر الكلام العمومي المبدئي عن الحلِّ السياسي الذي تُجمع عليه، نظرياً، كل دول العالم، لا سيما المعنيين مباشرة بالشأن السوري، نحو عملية إعادة فكِّ وتركيب المعارضة "الجديرة" بالاتّساق مع بيان جنيف الروتيني من جهة وإطار فيينا المستجد من جهة ثانية، خصوصاً أن "معايير" لافروف تسحبُ الشرعية عن وفد المعارضة الذي شارك في الحوار الفاشل مع وفد النظام السوري في جنيف قبل ذلك (كانون الثاني / يناير 2014)، بصفته الممثل الشرعي الوحيد لقوى المعارضة السورية.

يتمتعُ فلاديمير بوتين بغطاء دولي عريض يخوّله التواصل مع زعماء المنطقة لتعبيد خريطة طريق للحلّ السوري، كما يخوّل فريقه الدبلوماسي طرح كافة الخيارات وأضادها بغية تبديد الضباب عن مسألة "الحلّ السياسي" الذي تدعو له السعودية ودول الخليج، كما تركيا وإيران.

وبناء على اقتراب موسكو من محرّمات حساسة لدى كافة الأطراف، يطلُّ رفض الائتلاف المعارض للدعوة الروسية لعقد مفاوضات مع النظام في موسكو (لاحظ أن الائتلاف احتج على المكان وليس عملية التفاوض)، وتنقلبُ أولويات دمشق في تقديم هدف القضاء على الإرهاب قبل أي تسوية واستبعاد "الفترة الانتقالية" من قاموس التسوية، وتفرجُ طهران عن خلافها مع ما تستشرفه جهود موسكو.في حديقتها السورية.

سلّف خصوم النظام السوري موسكو مسألة القبول ببقاء الأسد في السلطة أثناء الفترة الانتقالية العتيدة (وبقي الخلاف على مدتها). ترتبكُ دمشق وطهران من تلك المرونة - الفخّ التي هبطت على الخصوم بين ليلة وضحاها، وتقلقُ من احتمالات انتشار عدوى "المعايير" لتطال أطراف النظام "الجديرين" بالانخراط في ورشة التسوية. فمجرد دخول الروس بتفاصيل عملية التسوية المتواكبة بهمّة لافتة للجهد العسكري المستمر، تستيقظُ الشياطين الكامنة داخل تلك التفاصيل، وتداهم كافة الأطراف على نحو يفسّر الإرتباك الشامل الذي يعبّر عنه كافة اللاعبين.

تمثّل عملية تسليم النظام السوري لسلاحه الإستراتيجي الكيماوي، والتي رعتها روسيا، أعلى درجات التواطؤ مع الولايات المتحدة في مقاربة الأخطار السورية. ولا عجب أن تكون تلك السابقة "العجيبة" مرجعاً لما هو لاحقٌ في بناء جدران الحلّ وسقوفه. ولا عجب من أن تُكملَ موسكو مساراً ناجحاً يعكسُ مستويات الانخراط المشترك الذي قد تصلُ لها الدول العظمى في التصدي لآفات دولٍّ صغيرة ومتوسطة صدّقت يوماً أنها حذقة في اللعب على تناقضات الجبابرة.

بيد أن الورشة الغربية الروسية الراهنة، على زئبقيتها وتعقّد ملامحها، تبقى تمريناً تجريبياً يمنح موسكو فرصة للمضي إلى أقصى ما تستطيعه، عسكرياً ودبلوماسياً، من أجل ابتكار طريق خلّاق لم تنجح في شقّه المقاربات الأخرى. بمعنى آخر أن هذا التواطؤ المزعوم لا يتأسس على اتفاقات أو يستقوي برؤى واضحة، بل يستسلم لتعويذات روسية ينفخّ بها سيّد الكرملين برعاية صامتة من رعاة العواصم الكبرى.

على هذا سيتأقلم العالم يومياً، وربما ساعة بساعة، مع التبدلات الميدانية المحتملة، بصفتها صدى للمزاح السوري الداخلي، كما ذلك الأقليمي العام.ولا شك أن المراقب يلاحظ أن الورشة الرسمية الروسية في سوريا لا تعاندها ورشٌ رسمية منافسة (لاحظ بيان فيينا الأخير الذي أطاح عملياً بأجندة جنيف)، لكن قرار باريس إرسال حاملة طائراتها شارل ديغول للمنطقة (لاحظ أيضاً صدوره عشية العمليات الإرهابية فيها)، كما ضجيج لندن حول الانخراط في جهود ضرب الإرهاب في سوريا، كما ما أعلن عنه وزير الخارجية التركي عن عمليات كبرى قريبا ضد داعش، وما سبق أن أثاره (ويثيره دوماً) وزير الخارجية السعودي عن الخيار العسكري ضد الأسد، سيدفع إلى الميدان السوري بورش اضافية رسمية تقودها العواصم مباشرة (لا سيما بعد حدث باريس الدراماتيكي)، مخصبة آلياً بأجندات مباشرة، قد تسحب من موسكو احتكار الرعاية الدولية وفترة السماح الممنوحة، ما سيعيد توزيغ الأوراق بطريقة أخرى ويغير من قواعد اللعبة برّمتها.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم عبد القادر الحلبي
الدولة روسيا

تعكسُ المناسبة مستوى امكانات التوافق في شأن تعامل الغرب مع الجهود الروسية إزاء الحالة السورية في الراهن والمستقبل، على نحو يفيدُ أن مناورات موسكو الدبلوماسية ليست بالضرورة تعبيراً عن مزاج روسي خالص، بل هي نتاج وفاق دولي تقدّم موسكو واجهته الظاهرة (لاحظ السكوت الغربي هذه ال...

2015-11-17

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
الدولة والدويلة في صلح حماس والسلطة!
2017-10-06
البيت الخليجي ما بعد أزمة قطر
2017-09-29
بارزاني ينتج ببراعة أمصالا مضادة لاستقلال دولته؟
2017-09-22
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
المزيد

 
>>